فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 523

تمهيد

الأمة الإسلامية: قرآن لا يَمَّحِي وسنة لا تبلى وطائفة منصورة أبدا

منذ أهبط آدم وذريته إلى الأرض وخاطبهم الله تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 38/ 39، والبشرية متأرجحة بين الإيمان والكفر، تلتزم جادة الحق فترة ثم تنسى منهجها الرباني فترات، فتفقد الصلة بربها وترتكس في حمأة البدائية والجاهلية، وتتشبث بأوهام الخرافة والأساطير، تملأ بها فراغ الأرواح والعقول، وتحاول بها تسكين القلوب مما راعها، وطمأنة الأفئدة مما أفزعها، والاستئناس بما تجهله من ظواهر الطبيعية والكائنات حولها، وهواجس الغيبيات الغامضة الغائبة عن وعيها، فيجثم عليها بذلك ركام ضخم من التصورات المنحرفة والمعتقدات الضالة، تنسج به على مر السنين أديانا ومللا ونحلا لا تزيدها إلا شقاء وضنكا وبعدا عن الله تعالى. وفي كل فترة من فترات الضلال هذه، تتدخل الرحمة الإلهية بعثا للأنبياء والرسل، وإنزالا للكتب والشرائع، فيعم الأمن والسلام والرشد والهداية زمنا يعقبه النسيان والغواية.

هكذا توالت الرسالات الإلهية عبر الحقب والأجيال، إلى عصر البعثة النبوية الشريفة، والبشرية في ظلام دامس وتَدَيُّنٍ ضال فاسد، من يهودية نسبت لله تعالى عزيرا ولدا، ونصرانية زعمت أن الله ثالث ثلاثة، ومشركين جعلوا لله تعالى الملائكة بناتا، وطوائف تعبد البقر، وأخرى تعبد الكواكب أو تؤله النار والحجر ... تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

في هذه الفترة كاد الرجس يحل بالبشرية فيهلكها جميعا، لولا قلة من أهل الكتاب بقيت على التوحيد، مثل ورقة بن نوفل الذي عرف من أمر النبي ما عرف، والراهب"بحيرا"في بصرى بالشام] [1] [، وعداس في الطائف] [2]

(1) - جاء في"عيون الأثر"1/ 63 عن رؤية بحيرا للرسول صلى الله عليه وسلم في سفره صغيرا مع عمه أبي طالب إلى الشام: ( ... فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تسألني باللات والعزى شيئا فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: سَلْني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ لَيَبْغُنَّهُ شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسْرِعْ به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه(أي بسوء) ، فردهم عنه بحيرا في ذلك، وذكَّرهم اللهَ تعالى وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا لِمَا أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه).

(2) - جاء في عيون الأثر 1/ 178 عما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما آذاه أهل الطائف فآوى مكروبا موجعا إلى جدار: ( ... فلما رآه ابنا ربيعة وما لقي، تحركت له رحمهما فَدَعَوَا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله ثم أكل، فنظر عداس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ قال: نصراني وأنا من أهل نينوى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل قرية الرجل الصالح يونس بن متى، قال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الارض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت