فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 523

الخطب الرنانة والشعر الرصين، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يصوغ بها قرآنا، وهو بذلك معجز لأنه كلام الله عز وجل.

ولكن الأكيد أن أحدا من الصحابة الكرام الذين تلقوا القرآن مباشرة من نبيهم صلى الله عليه وسلم لم يسألوا عن هذه الحروف، ولم يشغلوا عقولهم بمعانيها، لأنهم كانوا يتلقونها بقلوب خاشعة وأعين دامعة، ومعرفة يقينية بأنها من ربهم الكريم، ومن الثقة بالرحمن الرحيم والحياء من البارئ الحكيم ألا يسألوا، وإنما يتحفزون مستعدين لتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي، احتسابا وإيمانا ومحبة وزلفى. وقد سُئِلَ أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم، وقال أيضا: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال الإمام علي كرم الله وجهه: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا، وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه {عَبَسَ وَتَوَلَّى} فلما أتي على هذه الآية: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} قال: عرفنا ما الفاكهة، فما الأب؟ ثم خاطب نفسه: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف. وفي رواية أخرى أنه رضي الله عنه قرأ هذه الآية، فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الأبُّ؟ ثم رفع عصًا كانت بيده، فقال: هذا لعَمْرُ الله التكلُّف، وما عليك يا ابن أم عمر ألاَّ تدري ما الأبُّ؟ ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم وما لا فَلْتَدَعُوه.

لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدون {الم} وسائر حروف الهجاء في أوائل السور مما استأثر الله تعالى بعلمه فآمنوا بظاهرها ووكلوا العلم فيها إلى الله تعالى.

بهذا اليقين يسأل المؤمنون ربهم خاشعين قائلين: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} الفاتحة 6/ 7، وبهذا اليقين أيضا يتلقون الإجابة من ربهم الفتاح العليم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} البقرة 1/ 2.

ذلك القرآن لا ريب فيه، لا شك في إعجازه لفظا ومبنى ومعنى، ولا شك في مصدره وصدوره {ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} البقرة 176، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام من معارج الوحي، تلقاه كيف شاء ربه، وأداه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أمر، جوهره الهدى ومخبره الهدى، وحقيقته وكيانه الهدى، لا ريب في تضمنه ما يهدي إلى الصراط المستقيم الذي سألتم ربكم معالمه ومراشده {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} الأنعام 88، أو في اشتماله على ما يهبكم رفقة الأرضياء الأسوياء الأتقياء من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالينَ، فضلا منه عز وجل ورحمة {وذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ} المائدة 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت