إن هداية القرآن الكريم مبنية على دعامة انتفاء الريب ومظنة الشك في مصدره وإعجازه، وأنه بما حواه ليس موضعا للريب أصلا، كما أن هدايته مختصة بفئة من خلق الله وعباده، هي زمرة المتقين، إذ الشاك لا ينتفع، وغير المتقي عن الحضيض لا يرتفع.
إن الريب فيه لا يحل إلا بقلوب الكفار والمشركين، وعقول المنافقين وضعاف الإيمان، لأن معناه التردد بين موقعي تهمة واضطراب، بحيث يتعذر على صاحبه الطمأنينة على أي منهما، يقول تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} النساء 143، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافق بالشاة العائرة بين غنمين، فيما رواه مسلم: (مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. تَعِيرُ إِلَى هذِهِ مَرةً، وَإِلَى هذِهِ مَرة ً) . وفي رواية أحمد زيادة: (لا تدري أَهذِهِ تَتْبَعُ أَمْ هذِه؟) .
لذلك كان لابد للاستهداء بالقرآن من تربة خصبة طيبة، هي تربة التقوى، التقوى التي هي مغرس الإيمان ومنبته، تتقدم الهدى وكل عبادة، وتسبق الفعل والترك وكل تصرف وعادة، لأنها فطرة تجعل المرء متوقفا عن اقتحام كل أمر لم يعلم حكم الله فيه، لشعوره بالعجز عن الاستبداد فيما لم يؤذن له به، وعلمه أنه غير مستغن بنفسه عن ربه، ذلك أن العبودية الحقة ليس لها من تربة تنبتها إلا التقوى والخوف من الله تعالى ومطالعة هيبته وجلاله، وبها كان عليه الصلاة والسلام يصلي وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وقد سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبَيًّا عن التقوى؛ فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمَّرت وحذرت؛ قال: فذاك التقوى. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذرًا لما به بأس، ولهذا كله كانت التقوى وصية الله لعباده {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} المؤمنون 52، {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} الزمر 16.
ولئن اختص الله تعالى بهداية القرآن عبيده المتقين، فوالاهم بقوله: {وَاللَّهُ ولِيُّ الْمُتَّقِين} الجاثية 19، ووالاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن أوليائي منكم المتقون) ، فقد استبعد بمفهوم المخالفة غير المتقين من الكفار والمشركين وفسقة المنافقين، طائفتي المغضوب عليهم والضالين، استبعدوا عن الهداية وعن الولاية، لأن جبلتهم فاسدة، وتربتهم قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، ثم حدد صفات المتقين، فقرر ثلاثا منها هن أمهات التقوى، وأعمدة الإسلام في القلوب والجوارح. ورأس الأعمال وجُمَّاعُها، عمل قلبي هو الإيمان بكل ما أخبر به الله تعالى عن الغيب، وعمل بدني هو الصلاة وما يستتبعها، وعمل بذلي في سبيل الله هو الإنفاق.
الإيمان بالغيب أولى هذه الصفات {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} ، ولكن ما الإيمان وما الغيب؟