فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 523

أما الإيمان فحقيقته التصديق بالقلب، قال الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} يوسف 17، أي بمصدق لنا، وفي الشريعة: الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان.

وأما الغيب فهو لغة واصطلاحا ما غاب عن المرء ولم تدركه الحواس، إلا أن وروده معرفا بالألف واللام إشارة واضحة إلى أنه غيب بمعنى مخصوص، دل عليه الكتاب والسنة. وإلا فالغيب بمعناه المطلق، متاهة شاسعة ومجال للتلبيس والخلط. لأن ما لا تدركه الحواس تشاغب على حقيقته الأهواء والجهل والخرافة وأبالسة الجن والإنس، فاحتاج الأمر إلى أداة للمعرفة وقناة للتمييز. ولئن كان المحضن الدافئ للغيب هو القلب، لأن العقل لا يرتاد هذه المجاهل إلا في حدود ما رسم له خالقه، فإن القلب نفسه قد يضل أو يفرط أو يطغى.

لذلك أمدنا الله تعالى بميزان للقلب والعقل يضبط حركتيهما، ويرشد تصرفاتهما. فيبقى للغيب حرمته وحدوده وضوابطه، وللشهود قنواته وحقيقته وشريعته.

هذا الميزان هو العقيدة السوية التي تعد نواة تدور حولها حركتا القلب والعقل. العقيدة التي تمشي على الأرض تعاملا مع الواقع، سلوكا اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا، في الأسرة، والمجتمع، والدولة، وساحة العمل وميدان البحث العلمي، واستخداما لقناتي القلب والعقل، أداتي المعرفة لدى الإنسان في تعامله مع الغيب والشهود، مع المادة والروح، مع الوجود الآني والوجود الموعود، مما يمثل منهجا متماسكا متكاملا متميزا.

وكما أن القمر والأرض يدوران حول الشمس، ويستمدان منها النور، كذلك القلب والعقل يدوران حول العقيدة ويستمدان منها النور والرشد والصواب.

وكما أن للقمر والأرض مدارين مرسومين حول الشمس، إن حادا عنهما كان الكسوف والخسوف، وحل الظلام {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40، كذلك القلب والعقل، لكل منهما مجال خاص به فإن حادا أو زاغا عن مداريهما الطبيعيين حول العقيدة فسد الإنسان، وارتكس في الظلام، ظلام الجهل و الضلال و الغواية ...

إن ضبط حركتي القلب والعقل في مجالي الغيب والشهود بميزان العقيدة، قد أسقط جميع التصورات الغيبية لدى المناهج الوضعية البشرية وأديان أهل الكتاب المحرفة، بدءا بالمسيحية واليهودية اللتين تنسبان لله الأبناء كما في حال عزير وعيسى عليه السلام، ومرورا بالأديان البدائية والخرافية والوثنية التي استندت في تعاملها مع البيئة إنسانا وطبيعة إلى وجود أرواح وشياطين وآلهة، تتحكم في نفوس الناس وحركاتهم الجسمية وسلوكهم اليومي، والمناهج الميتافيزيقية الفلسفية التي وضعت بديلا للمناهج الخرافية في القرون المتأخرة والعصر الحديث؛ واعتمد فيها لتفسير طبيعة الكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت