فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 523

ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال: إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به.

ثم عقب تعالى بحكمه على موقفهم من الرسالة الجديدة فقال: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} ولفظ شرى واشترى من أفعال الأضداد تفيد حسب السياق معنى البيع كما في قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَة} النساء 74، كما تفيد معنى الشراء كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة} التوبة 111.ثم فصل طبيعة صفقة البيع هذه بقوله تعالى: {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي أنهم باعوا أنفسهم للكفر وبالكفر في صفقة خاسرة بئيسة، كان الكفر فيها هو المشتري وهو الثمن، هو التاجر الذي تَمَلَّكَهم بالشراء, وهو القيمة المعادلة لهم، وصفقة هذه مواصفاتها لعمري أبخس الصفقات وأكثرها خسارا. لقد باع بنو إسرائيل أنفسهم للضلال، واستساغوا الركون إلى الكفر على علم بالحق وأهله قرآنا ونبوة خاتمة، فبئست الصفقة مبناها على الحسد، وخاب البيع مرتكزه على البغي، ودافعه كراهة أن ينزل الله فضل النبوة على غيرهم من ولد إسماعيل عليه السلام.

إنه الحسد، عقيدة بني إسرائيل على مر الدهور، عبادة النفس المقنعة بعبادة الله، وخلق الأثرة التي تضيق بكل خير يناله غيرها، وأخلاق مرضى القلوب من المنافقين وضعاف الإيمان والوالهين بحب المنصب والمال والجاه والقرب من الظالمين، يحسدون الصادقين على صدقهم والصامدين على صمودهم، والثابتين على الحق على ثباتهم، والشهداء على شهادتهم، فيفعلون بهم ما فعل بنو إسرائيل بالأنبياء والرسل والشهداء والصديقين، وشايةً عند الحكام، وتشويها للسمعة لدى العامة، ووصما بالتهور والاندفاع وحب الظهور والرياء، وما ذلك منهم إلا لحسد ملأ صدورهم وغيظ حقن أفئدتهم، وخوف من أن يفضح صمود أولئك تهاوي هولاء، وشجاعة أولئك جبن هؤلاء، وحرص أولئك على الآخرة حرص هؤلاء على الدنيا.

وكما هو شأن اليهود إذ قال عنهم رب العزة: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ} البقرة 109، يود المنافقون في كل عصر أن يردوا المؤمنين الصادقين عن صدق إيمانهم، فينهار الصامدون مثل انهيارهم، ويخونوا مثل خيانتهم، ويتملقوا طلبا للدنيا مثل تملقهم، فلا تبقى في الساحة نماذج حية تفضح حالهم ونفاقهم، أو رجال شم وقلوب قوية واثقة بربها وحده متجهة إليه بالعبادة خوفا ورجاء وتوكلا وخشية ومحبة، غير مبالية بما تلقى في الدنيا من فتن وبلاء لأن حبها لله ملأ المهج منها نورا، فأقام خطوها على الطريق وأفئدتها على الصراط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت