كانت النِّذارَة أول ما أرسل به إلى الناس، ولذلك خاطبه ربه بلغتها إذ قال له: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .
لقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ثقل مسؤولية النِّذارة وخطورة شأنها، ولكن اللطف الإلهي يشمله دوما بعناية التثبيت، ويحضه على الصمود، مرة يلقنه أسلوب المخاطبة بالتحنن واللطف {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} الحج 49، ومرة يرفع همته ويحرضه على الإنذار من موقف قوة وتحد {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان 51/ 52، وتارة ينذره هو نفسه من عاقبة الركون إلى من أرسل إليهم من الكفار {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} الإسراء 75.
ولئن كانت النِّذارة أشد عناء في مجال الدعوة الإسلامية، لأن تخويف الناس من سوء المصير في الدنيا والآخرة، ولو أيقظ أنفسا حية فآمنت، يستعدي على الداعية غضب المصرين على الكفر من الجهلة والظلمة ويستفزهم، فإن رحمة الله تعالى قد خففت بهذه الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم من ثقل المسؤولية وعبء المؤونة، إذ بينت له أن من الناس من لن يؤمنوا، لما سبق في علم الله عنهم، وأن عليه أن يهدئ من روعه ويركن إلى حكمة ربه فلا يهلك نفسه غما وكمدا لإصرار الكافرين وإعراض الجاحدين.
إن نفوسا خلقها الله تعالى للجنة وأخرى خلقها للنار، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} هود 119، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر) ، وليس على الرسول إلا البلاغ {وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} العنكبوت 18.
إن قلوبَ أهل الشِّقْوة منافذُ الهداية وقنواتُ تلقي الرشد فيها مقفلةٌ موصدةٌ، فلا أمل في تسلل الإيمان أو تسربه إلى نفوسهم، وقد ختم الله تعالى على أفئدتهم، لما رانَ عليها من تكبُّر وتعالٍ على الحق، واستحبابٍ للعمى ورفْضٍ للتوبة إلى صراط الله المستقيم، فكان الجزاءُ الوفاق إركاسا في الضلالة وإغراقا لهم في العماية، قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} الصف 5.
لقد أساء الأدبَ قبلهم إبليس حسدا وكبرا {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} الأعراف 12، فطرده الله تعالى وقال له: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} الأعراف 18، وأساء الأدبَ قبلهم بنو إسرائيل فاعتدوا