فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي. فَقَالَ: إنَّ اللّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)، إلى غير ذلك من المواقف المؤثرة المثيرة، التي كان يواجهها عليه السلام بالمصابرة والمثابرة على الدعوة والإلحاح فيها، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِم ... } ، يخبره أنه لا يؤمن إلا من سبق له من علم الله السعادة، ولا يضل إلا من سبق له الشقاء، كما خاطبه بآيات أخرى بقوله: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فاطر 8، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} الكهف 6، {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} الشعراء 3، مبينا عز وجل له أن هؤلاء قد غلب هواهم عقولهَم، وقهر جهلُهم علمَهم، فرأوا الباطل حقا والحق باطلا، والحسَنَ قبيحا والقبيح حسنا، فلا تهلك نفسك حسرة وحزنا بسبب غيهم وإصرارهم، ولا تغتمَّ لكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا، لأن أمرهم بيدي وإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وكذلك يقال للداعية في كل زمان ومكان، إذا رأى إدبار الخلق، ورفضهم معالم الحق، وعدم استجابتهم للنصح والإرشاد، فعليه أن يكتفِيَ بعلم الله فيهم، وألا يتأسّف على أحد منهم، لأن التوفيق من الله تعالى، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، كما روى أحمد عن أَنسٍ قالَ: كان رَسولُ الله يُكْثِرُ أنْ يقولَ: (يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي على دِيِنكَ) ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ الله آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعْم، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أَصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الله يُقَلِّبُهَا كَيْفَ شاَءَ) .
لقد خاطب الله تعالى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام في هذه الآية بلغة وظيفته الأولى التي بعث بها، وهي النِّذارَة، بقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، لأنها هي أخطر مهمة تحملها، منذ خوطب في سورة المدثر بقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِير} 1/ 10، منذ فجر البعثة إذ هبط من حراء فنُودي فنظر عن يمينه فلم ير شيئًا، ونظر عن شماله فلم ير شيئًا، ونظر أمامه فلم ير شيئًا، ونظر خلفه فلم ير شيئًا. فرفع رأسه فرأى جبريل بين السماء والأرض، فرعب وأتى خديجة فقال: دثروني وصبوا علي ماء باردا. فدثروه وصبوا عليه ماء باردا، فنزلت أول آيات وظيفته الجديدة أمرا بالإنذار فكان رسولا، بعد أن تلقى الأمر بالقراءة في سورة العلق فكان نبيا، فشمر عن ساعد الجد وساق العزم، وأنذر الناس يومهم العسير، ومآلهم غير اليسير، لقد