فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 523

ولئن ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية {إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ... } خاصة بالمجاهرين، فإنها في واقع سياقها وإطلاقها شاملة لجميع أنواع الكفر بالله تعالى، إنكارا وإلحادا، وجحودا وعنادا ومخاتلة ونفاقا، وإنما كان الإيجاز فيها توطئة للبسط فيما تلاها لأوصاف الفئات الكافرة الأشد خطورة، وهم المنافقون واليهود.

وسواء كان المقصود في هذه الآية كفار الفترة المكية أو المدنية أو الفترتين معا، فإنما يراد بها جنس كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوي عنه، في كل زمان ومكان. ولئن ورد التعبير بصيغة الجمع معرفا، مما يفيد بظاهره العام استغراقَ جميع الكفار، وكان الخطاب القرآني يعبر بالعام أحيانا مع إرادته الخاص إذا توفرت القرينة الدالة على ذلك، وعلمنا أن كثيرا من الكفار أسلموا ويسلمون على مدار التاريخ، تأكد لنا أن الآية عامة ومعناها خاص بمن سبقت عليه كلمة العذاب، وهم كفار مخصوصون أصروا على الكفر وماتوا عليه، وقد علم الله كُفر من كَفَر ويكفر، كما علم إيمان من آمن ويؤمن، وأثبت علمه السابق في كتابه، وكل ميسر لما خلق له، قال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} يونس 96/ 97، وقال: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُون} يونس 101، وقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يوسف 105، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى عبد الله بن عمرو (يارسول الله إنا نقرأ من القرآن فنرجو ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس فقال صلى الله عليه وسلم:(أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟، قالوا: بلى يارسول الله، قال: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} هؤلاء أهل الجنة، قالوا: إنا نرجو أن نكون هؤلاء، ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هؤلاء أهل النار، قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟، قال: أجل) .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لشدة محبته للخلق يحرص على أن يؤمن جميع الناس، ويؤذيه إعراض بعضهم، ومناوأتهم له بالأذى، قولا أو عملا، فيقابل كل ذلك منهم بالصبر، وما يوم الطائف عنا بخفي، إذ دميت قدماه الشريفتان بحجارة المشركين وخيره ربه فيهم كما ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيما رواه مسلم عن عروة بن الزبير (أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ: يَا رَسُولَ اللّهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت