قال: (يكفرن العَشِير ويكفرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهن الدهرَ كلّه ثم رأتْ منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) .
ذلك أن الكفر يأتي في بعض النصوص بمعنى جحود النعمة وكفرانها وترك أداء شكرها أو إخفائها، أو وصفا لبعض خصال الكفَّار التي قد يرتكبها المسلم وهو مطمئن بالإيمان، وقد أَطلقه الشارع على بعض الذنوب على سبيل الزجر والتهديد، وإن كان لفظ"الكفران"أكثر استعمالا في هذا المعنى، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} الأنبياء 94.
وبهذا التعريف لا يعد كافرا كفرا مخرجا من الملة مذنبو الأمة الإسلامية بجحود نعمة أو بنسيان أو بسبق لسان، أو ارتكاب ذنوب والقلوب غير مستحلة للمعاصي، وقد ورد في الأثر: (لا تُكَفِّر أهْل قِبْلَتِك) ، أي لا تصفهم بالكفر ولا تجعلهم كفارا بقولك أو تصرفك، ولكن هذا الأثر المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم ما بين ضعيف وَوَاهٍ.
أما الكفر المخرج من الملة، نقيض الإِيمان، وصفة من لم يؤمن بالوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة أو بثلاثتها، فيكون بالاعتقاد والقول والفعل، ويوجب الخلود في النار، ولفظه بالمصطلح القرآني: كَفَرَ بالله يَكْفُر كُفْرًا وكُفُورًا وكُفْرانًا، فهو كافر، إذا اعتقد الكفر، أو إذا أظهر الكفر لغير اضطرار شرعي، وإن لم يعتقد به، قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة 28، وقال: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النحل 106. وهو عند العلماء على ستة أنحاء، كفر إلحاد، وكفر شرك، وكفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق. فكفر الإلحاد هو موقف من ينفي وجود الله تعالى نظرا وعملا وينكر الأديان كلها، وكفر الشرك أن يجعل مع الله أو من دونه شريكا، وكفر الإنكار أن لا يعرف الله أصلا أو يشك في وجوده، أو في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكفر الجحود هو أن يعرف الحق بقلبه لكنه يرفض اتباعه أَشرا وبطرا واحتقارا له ولأَهله ككفر إبليس لعنه الله، قال تعالى:" {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِين} البقرة 89، وقال: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} النمل 14، وكفر العناد هو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدًا وبغيًا ككفر أَبي جهل وأَضرابه، وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، كمنافقي الفترة المدنية، ومنافقي عصرنا هذا إذ جبهتهم الصحوة الإسلامية وهددت مكاسبهم، وجميع هذه الأنواع سواءٌ في أنها مخرجة من الملة، وأن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له."