فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 523

بهم خيرا، حتى رأينا فيهم من يسمي الكافر مسلما ومؤمنا بتأويلات ضالة مضلة، ويستجلبه لغزو الأوطان، ويستعين به على قتل أهل الإيمان. وليس من مخرج إن لم تكن توبة إلا بتنشئة أجيال قرآنية تستضيء بالكتاب والسنة، وتتعامل بوحيهما وتتحدث بلغتهما، وتؤسس لأمة مستعلية بإيمانها، واثقة بربها، مميزة بين صديقها وعدوها.

إن القرآن الكريم لا يكاد يتوقف عن توضيح واقع المسلمين ومن حولهم، في كل سورة من سوره، في سورة الفاتحة يبين حال الذين أنعم الله عليهم وحال غيرهم من الكفار مغضوبا عليهم وضالين، ثم يبادر في أول سورة البقرة بزيادة البيان والشرح والبسط والتنبيه والتحذير، لحال المتقين المسترشدين بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وحال من سواهم من كفرة المشركين ومردة أهل الكتاب الذين لا ينجع فيهم الهدى سواء أنذروا أم لم ينذروا، وعتاة المنافقين الذين يتلَوَّنونَ لكل حال بلون ويتزينون في كل مجلس بقول.

ولما كان الكفار فئتين، مجاهرين ومنافقين، والكفار المجاهرون المعاندون سيرتُهم واضحة وخطرُهم أقل، وأسلوب معالجة أمرهم بَيِّن، والمنافقون أكثر تغلغلا في مجتمع المسلمين، وأشد مكرا، واليهود أشد عداوة وغدرا، فقد أجمل الله تعالى حال الكفار بجميع أصنافهم في آيتين، لينبسط الشرح والتوضيح والكشف لمقاتل المنافقين في ثلاث عشرة آية بعدهما، ومفاسد اليهود فيما بعد ذلك، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} البقرة 6/ 7.

ولئن كان لفظ"الكفر"لغةً من أصل صحيح هو"ك. ف. ر"، فإنه يدل على معنى واحد هو الستر والتغطية, فيقال لمن غطى درعه بثوب قد كفر درعه، والكافر مجازا: الليل المظلم لأنه يستر كل شيء بظلمته، والنهر العظيم، والبحر، والزارع الذي يغطي البذور بالتراب، قال تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} الحديد 20، والظالم الذي يحجب العدل ويغطيه بظلمه أو يجحد حق الأمة ويستره عنها ويغتصبه، ومن ترك الرمي بعدما تعلمه، وكذلك المعنى في كل أثر نبوي على هذا النحو يفيد جحودا لا يعد كفرا مخرجا من الملة، مثل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوق وَقِتالُهُ كُفْر) ، (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) ، (من حلف بغير الله فقد أشرك، أو كفر) ، (اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت) ، (من نسي الرمي بعدما عُلِّمَه فقد كفر الذي عُلِّمَه) ، (من ادعى إلى غير ابيه وهو يعلمه فقد كفر) ، (من أُعْطِيَ عطاء فقدر أن يجزي به فليجز به ومن لم يقدر فليحسن الثناء فان لم يفعل فقد كفر النعمة) ، (من ادعى إلى غير أبيه أو غير مواليه فقد كفر) ، (من أبلى خيرا فليجاز عليه ومن لم يجد ما يجازي عليه فليشكره، من فعل فقد شكر ومن ترك فقد كفر) ، ومنه أيضا ما روى البخاري وغيره من قوله عليه السلام في النساء من حديث الكسوف: (ورأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قطّ أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء) قيل: بِمَ يا رسول الله؟ قال: (بكفرهن) ؛ قيل أيكفرن بالله؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت