مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ الأنعام 34/ 35. وحينا آخر بمخاطبته مشركي قريش بلطف وتحنن بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَأَىَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} التكوير 19/ 29.
حتى إذا كانت الهجرة إلى المدينة، وانبثق مجتمع الإيمان الجديد، وَذَرَّ قرن أعداء من صنف آخر، أهل كتاب ومنافقين، أقبلت آيات الذكر الحكيم، وانْهَلَّتْ أنوار سورة البقرة، تضيء معالم الطريق، وتكشف خبايا المخاطر والكمائن في النفوس والمجتمع، وتأخذ بيد المسلمين إلى أرشد أمرهم في التعامل مع الواقع الجديد، مع الخصوم والمتربصين، وخلفيات دوافعهم وأهدافهم وأساليب مكرهم، وطرق مكافحة عدوانيتهم ومناهضة كيدهم.
إن الناس في ميزان العقيدة منذ أهبطوا إلى الأرض وإلى يوم الدين، على صنفين، مؤمنين متقين، وكافرين معاندين، والكافرون على صنفين مجاهرين بإنكارهم، مشركين وأهلَ كتاب، ومخاتلين يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان، ولئن كانت هذه الأحوال تخفى على المؤمنين أحيانا في غمرة الفتن وصخب الكدح والسعي اليومي، فإن الله تعالى تكفل لهم بالتوضيح والتذكير والتوعية والتحذير، وأنار لهم معالم واقعهم، وطبيعة البشر ممن يعايشونهم ويخالطونهم ويدعونهم إلى صراطه المستقيم، بآيات بينات يسترشدون بها، وتبقى لمن بعدهم مناراتِ هدى إلى يوم الدين.
ولئن كان المسلمون في عصرنا الحاضر، قد أعرض أكثرهم عن توجيهات القرآن فيما ينبغي أن تكون عليه معرفتهم بواقعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادى والعقدي، وبطرق تعاملهم مع غيرهم من أصحاب الملل والنحل حولهم، فقد ارتكسوا بإعراضهم هذا في الذلة والصغار والاستضعاف بين أيدى أعدائهم أولا، وأدركهم ما أصاب الأمم قبلهم ثانيا، وأصبح مجتمعُهم أكثرَ شبها بمجتمعات من غضب الله عليهم ولعنهم ثالثا، وبلادهم ما بين سلْمٍ مُخْزٍ بخضوعهم لمن هب ودب، وحربٍ مستبيحةٍ للأموال والدماء والأعراض، مُجْليةٍ عن الأهل والأوطان، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال فيما رواه البخاري: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ) .
وكما كان إعراض كثير من المسلمين عن التصور القرآني للإيمان ومقتضياته، كان إعراضهم عن التصور القرآني للواقع البشري، فأثر ذلك في حياتهم كلها، حالا واستقبالا، بل أثر حتى في مصطلحاتهم ولغة خطابهم، فغابت المعاني الإيمانية عن حياتهم، واختفت معالم الحقيقة عن تصورهم للأولياء والأعداء، وتصورهم لمن يريد بهم شرا أو من يريد