فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 523

إن المسلم إذا كان طبعه العزة بما لديه، والاستهانة بالنصح الذي يوجه إليه، والإعراض عن الحق إذا يدعى إليه، والإصرار على هواه، يوشك أن يعمه الله بغضبه، فتنغلق في وجهه أبواب الرحمة والأوبة، وتفتح في وجهه أبواب الختم على القلب والسمع والتغشية على البصر، وما ذلك إلا لأن المعاصي ومشاعر الكبر والاستعلاء تتراكم على الأفئدة وتحف بها وتغلقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتة سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك الرَّانُ الذي قال عنه الله جل ثناؤه: {كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} المطففين 14. وقال مجاهد:"نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم".

ويبقى تساؤل وجيه في مثل هذه الحالة، إن واجه الداعيةُ هذه النماذجَ من البشر مسلمين غافلين أو كفارا جاحدين، هل يعرض عن دعوتهم وتبصرتهم؟ أم يقتحم عليهم حصون الكبرياء والترفع والإصرار؟

إن لنا في القرآن الكريم وتوجيهات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نير البينات والتعاليم، ورشيد الأسوة الحسنة، فما فرط الكتاب إذ بين وأوضح، وما قصر الرسول إذ واظب على دعوة هذه النماذج البشرية إنذارا وتخويفا وبشارة وتأليفا، وصبر على أذاهم، موقنا أن له مهمتين في هذه الدنيا لايحيد عنهما، لا يقال عنهما ولا يستقيل: أن يهدي الناس للحق أولا {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الشورى 52، وأن يقيم الحجة على المصرين ثانيا {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} النساء 165. وقد قام بالمهمتين خير قيام، وكذلك ورثة الأنبياء من العلماء والدعاة يهدون من كتب لهم الله الهداية، ويقيمون الحجة على من كتب لهم الشقاوة، وليس لهم من مكسب إلا رضا الله، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} القصص 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت