فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 523

النبوية يكون الاحتكام فيه إلى العقل، ولكنه العقل الرباني الرشيد الذي ينظر بنور الشرع في حدود مجاله وطاقته، مؤثرا المصلحة العامة على الخاصة، وبقاء الأمة على بقاء الفرد، وعلو شأن الجماعة على علو شأن الأفراد والطوائف.

إننا بالقلب موجها بالكتاب والسنة والعقل الرباني، وبالعقل مضبوطا بالكتاب والسنة والقلب الحي، ننفي عن الإسلام وحركته الحضارية العالمية، وعقيدته الربانية السمحة، وشريعته الفذة العادلة، وتصوره للغيب والشهود، كل شائبة تشين نظامه ومناهجه. ونحمي مجتمعاتنا من مرضين يوهنان الصف ويخربان البلاد والعباد، هما الدروشة والشيطنة.

الدروشة وهي مآل من يلغي عقله، ويتخذ لتلقي الغيب وأحكام السلوك والعبادة مصادر غير الكتاب والسنة أو معهما؛ تبدأ أولا طيبة وصفاء وثقة عمياء في الناس والنصوص المروية، ثم تستفحل لتتحول إلى بلادة وغباء، ثم إلى خرافة وشعوذة، يشرف على توجيهها واستثمارها متشيطنون يوظفون كل غيبي لمصالحهم وأهدافهم ...

أما الشيطنة فهي الثمرة الخبيثة لدى من يعتمد على العقل وحده بدون ضوابط من كتاب أو سنة، وهي مدرسة أسسها بنو إسرائيل فأتعبوا بها أنبياء الله وطاردوهم وقتلوهم وحرفوا كلامهم وشرائعهم كما هو مفصل في القرآن الكريم.

والصفة الثانية للمتقين المؤهلين للانتفاع بهدى القرآن هي إقامة الصلاة، الصلاة التي هي صلة الخلق بالخالق عز وجل، وعماد الدين وأفضل العبادات البدنية، إقامتها بالمداومة عليها والمحافظة على مواقيتها وأركانها وهيئاتها، وما تقتضيه من ورع وخشية وبر وعمل صالح واجتناب للفحشاء والمنكر، قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} الإسرَاء 78، {وَالْمُقِيمِى الصَّلاَةِ} الحَجّ 35، {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} العنكبوت 45، ولما ذكر المصلّين المتهاونين بالصلاة قال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} الماعون 4/ 5، ولم يقل: فويل للمقيمين الصلاة، لأن الغافل عن الصلاة والمتهاون فيها لا صلاة له، وما صلاته إلا مجرد مرتع للخواطر والهواجس والوساوس، وقراءته فيها مجرد أصوات لا يعيها وتصدية لا يفقهها، وليس للمرء من صلاته إلا ما وعى، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا، ومن اتخذ الصلاة لعبا ولهوا أو مصيدة للدنيا واستغفالا للخلق فليس له من صلاته إلا وزر الخداع {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} البقرة 9.

ولأن الصلاة وفاء بعهد الإيمان والعبودية، فالمواظبة عليها والمداومة عليها تعهد للإيمان وترسيخ له في النفس، واستعانة بها على جميع التكاليف، ومن لم يدم على أدائها ضعف إيمانه واستبدت به الجرأة على المعصية، ونزعت من قلبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت