التقوى، والتقوى أصل الإيمان ومنبته، والصلاة هي الثمرة الظاهرة، لذلك كان التعبير عن إقامتها بصيغة الفعل المضارع {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} ، لأن المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على المداومة والاستمرار.
والصفة الثالثة للمتقين هي قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . إنها الإنفاق والبذل في سبيل الله من طيب الرزق، تكافلا وتآزرا وتعاونا وإحسانا إلى خلق الله، بشرا وحيوانا، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى مالك والبخاري ومسلم (يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْر) .
إن الصلاة صلة للعبد بربه ولكن تأثيرها في سلوك المرء وأخلاقه يجعل منها صلة بينه وبين الخلق، أما الإنفاق فهو صلة العبد بالخلق، ولكن القيام به على وجه القربى من الله استخلافا منه لعباده يجعله صلة بين العبد ومولاه {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه} الحديد 7، ويجمع الصلاة والإنفاق ورود الأمر بهما والوعد بجزائهما من رب الغيب والشهود.
إن رزق المرء مخبوء في ضمير الغيب لأنه لا يطلع عليه قبل اكتسابه، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا} لقمان: 34، {إ ِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} الذاريات 58، والإنفاق في سبيل الله دليل الإيمان بالغيب، والثقة بالله، ووجه من وجوه الاستخلاف في الأرض، وشكل من أشكال العبادة التي خلقنا لها، فإن هو أحسن الاستخلاف في مال الله الذي أُعطِيَه فتحت له أبواب الرزق الكريم والخير العميم، وزكا ماله وولده وأجر عمله، وإذا بخل بما استخلف فيه كان ذلك منه ضعفا في الإيمان، وفقد صفة الاستخلاف أولا، وأضاع عبادة من أمهات العبادات ثانيا، وانغلق دونه باب الإمداد بخير الرزق وأطيبه ثالثا، وكان له في الآخرة ما أُنذِر به ..
والفيصل في كل هذا إرادة الإنسان وما توجهت إليه، مريد الآخرة ينتقص من دنياه لآخرته ومريد الدنيا ينتقص من دينه لدنياه، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هود 15/ 16، {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} الشورى 20.
ثم تأتي زبدة القول في الموضوع وخلاصته موجزة للصفات، ومبينة ثمارها بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
لقد أنزل الله تعالى قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كتبا، وأرسل نوحا وإبراهيم عليهما السلام {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} الحديد 26، ثم قفى على آثارهما بموسى وأنزل التوراة مستحفظا