فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 523

اختلفت الجودة والرداءة، وتحريم التأجيل وعدم التقابض يدا بيد، وتحريم بيع الغائب] [1] [بالناجز، لما فيه من ربا النَّساء، ولتعارضه مع التقابض في العوضين وهو شرط في صحة العقد عليهما. قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مالك والبخاري ومسلم: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا] [2] [بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا شَيْئًا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) .

وكما عودنا التشريع الإسلامي في التربية والتهذيب ومحاربة الآفات الاجتماعية المتأصلة كالخمر مثلا، تدرج تحريم الربا في أربع مراحل:

المرحلة الأولى أشار فيها الوحي الكريم إلى أن الربا لا يباركه الله تعالى ولا يقبله ولا ينميه وإنما يبارك الصدقة ويضاعفها لأصحابها بقوله عز وجل في المرحلة المكية: {وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} الروم 39.

والمرحلة الثانية ورد التحريم فيها تلويحا وتعريضا وشجبا لما يفعله اليهود بقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} النساء 160/ 161).

والمرحلة الثالثة كان التحريم فيها للربا جزئيا انتظم الفاحش منها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران 130. وهو مثل قوله تعالى عند إعداد النفوس لتحريم الخمر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} البقرة 219.

أما المرحلة الرابعة والأخيرة فكانت تحريما قاطعا وتهديدا بحرب من الله ورسوله في آيات سورة البقرة هذه من قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ... } إلى قوله عز وجل: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... } وهي المرحلة النهائية في التحريم كما في قوله تعالى عند التحريم القاطع للخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة 90.

ثم عقب تعالى بمقارنة بين مآل الربا ونتائجه وبين الصدقات التي أمر بها في الآيات السابقة بقوله: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا} يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخله، قال صلى الله عليه وسلم: (الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قُلٍّ) أي إِنه يَؤُول إِلى النقص وإِن كان زيادة في المال عاجلة، ولا يقبل الله تعالى من صاحبها صدقة ولا زكاة ولا جهادا ولا حجا كما قال ابن عباس رضي الله عنه.

(1) - المراد بالغائب أعم من المؤجل، كالغائب عن المجلس مطلقا، وبالناجز الحاضر.

(2) - لا تزيدوا ولا تفضلوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت