{وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} ينميها ويبارك فيها ويزيدها ويضاعفها ويقبلها ويدخرها لصاحبها في الآخرة، {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} يبغض المصر على الكفر المتمادي في ارتكاب إثم الربا بأكله والتعامل به والشهادة عليه.
ولعل أكبر شاهد على هذا المآل هو الكارثة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي في هذه السنة إذ بدأت بأكبر دول العالم وأقواها وأغناها ثم عمت أرجاء الأرض، بسبب هيمنة النظام الرأسمالي الربوي وطغيانه، وسيطرة الشركات الربوية العالمية على مقاليد السلطة في كل قطر، مما أفقد كل بلد سيادتها السياسية وحريتها الاقتصادية وقرارها الحر.
في مقابل هذه الصورة البشعة لمآل المرابين العصاة الذين يبغضهم الله تعالى ويمحق أعمالهم، يعرض الوحي صورة رضية طيبة لمآل المطيعين الذين تكامل لديهم الإيمان بالعمل الصالح وإقامة الصلاة وتزكية الأموال بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} إيمانا تاما بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} من قيام بالواجبات وانتهاء عن المنهيات، وأحسنوا في أموالهم بالصدقة والبذل واجتناب الربا ومفاسده {وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} التي تنهى عن الفحشاء والمنكر {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} المفروضة من طيب مالهم وحلاله رضية بها نفوسهم {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} لهم كامل الثواب والمغفرة والأجر الحسن عند الله تعالى يوم القيامة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لا خوف عليهم ولا حزن لديهم يوم الفزع الأكبر، يوم يخاف الظالمون والكافرون والمرابون والذين لاينفقون في سبيل الله، ويفرح المؤمنون الصادقون {فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} آلعمران 170/ 171.
ثم من الحديث عن الذين فازوا بحسن العاقبة والسعادة يلتفت الوحي لتحريض المسلمين جميعا على اتباع نفس نهجهم وطريقهم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الذين أعلنوا إسلامهم واتباعهم لما نزل من الحق {اتَّقُوا اللّهَ} اجعلوا تقوى الله تعالى حصنكم من غضبه وعذابه، وتجنبوا ما يحبط أعمالكم ويخبث أموالكم {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} اتركوا التعامل بالربا، وإن بقي لكم منها شيء في ذمة أحد فلا تأخذوا إلا رؤوس أموالكم، إن كان إيمانكم الذي أعلنتموه تاما خالصا لا خلل فيه ولا تردد.
{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} فأذنوا: من فعل"أَذِنَ"بالشيء أي علم به، فإن لم تنتهوا عن المعاملات الربوية فكونوا على عِلْم بحرب يشنها عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربه. وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم كان قد صالح ثقيفا على أن ما لهم من ربا على الناس، وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عَتَّاب بن أسِيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة وكان بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير،