طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المائدة 93، وهو ما أخذت به التشريعات الوضعية المعاصرة فيما يعرف بعدم رجعية القوانين.
إن الربا المحرم كما ورد في الكتاب والسنة صنفان: ربا النسيئة وربا الفضل.
ولفظ النسيئة من فعل نَسَأَ الشيءَ يَنْسَؤُه نَسْأً وأَنْسَأَه: أَخَّره، فهو نسيء، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} لِما كانوا في الجاهلية يؤخرون الأشهر الحرم عن ميعادها لمصلحة حرب أو سلم. ومن هذا المعنى أصل ربا النسيئة، وهو أن يقرض المرابي مستقرضه مالا إلى زمن محدد مع اشتراط زيادة أو منفعة إذا حل أجل السداد، وزيادات أخرى كلما تأخر أداء الدين عن موعده. وهذا النوع هو المستعمل حاليا في المصارف المالية.
أما ربا الفضل فيكون في مبادلة الشيء بمثله مع تفاضل في القدر، كمبادلة شعير بشعير أكثر أو قمح بقمح أكثر أو زيت بزيت أكثر، أو ذهب بذهب أكثر مثلا، والنص على تحريم هذه المبادلة من قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ) ، والمعنى أن البيع التبادلي فيما ذكره الحديث النبوي، يشترط فيه التماثل في الوزن إن كان مما يوزن، والكيل إن كان مما يكال، والعدد إن كان مما يعد، وأن تكون المبادلة فيه يدا بيد ناجزة لا نساء فيها ولا تأخير، فإن اختلفت الأصناف كانت المبادلة حرة لا حرمة فيها إذا تمت مناجزة يدا بيد. وهو ما توجزه القاعدة الفقهية المتعلقة بمثل هذه المعاملات:"إذا اتحد الجنسان حرمت الزيادة والنَّساء، وإذا اختلف الجنسان حل التفاضل دون النَّساء"، قال صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) .
وإن لم تختلف الأصناف وكان الاضطرار للمبادلة كما في حالة بيع رديء التمر مثلا بجيده، كان البيع مثلا بمثل ولا اعتبار للتفرقة في الصنف الواحد بين جيده ورديئه، وإلا باع أحد طرفي المبادلة ما لديه من التمر واشترى بثمنه ما يشاء، وقد روى البخاري (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِن الْجَمْعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِن هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ) .
والثابت من هذه النصوص الصحيحة وما في حكمها أن المقايضة في المتماثل من تلك السلع تنضبط بثلاث قواعد: بتحريم أي تفاضل أو زيادة عند مبادلة الصنف الواحد بمثله، في الوزن والكيل والعدد وما في حكم ذلك مهما