فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 523

أجل الأداء مرة بعد مرة، ولذلك قال جلّ ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران 130.وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله آكل الربا و موكله و شاهديه و كاتبه، هم فيه سواء) .

إن هدف المقرض أن يكثر ماله فيقوم بين الناس قويا غنيا عزيزا، وهدف المستقرض أن يقوم من محنة الحاجة والفقر وينهض حاله بعد سقوط، فيخضع لشروط الغني الظالمة المذلة، وليس في ذلك الخضوع ولا في تلك الشروط أي كرامة أو عز للمقرض الذي لا يرى فيه الناس إلا الجشع والطمع والخسة والقسوة والنذالة، أو نهوض من عثرة للمستقرض لعلمهم بضعفه واستخذائه بين يدي المقرض وخضوعه لشروطه المذلة، ويقينهم بأن الاستقراض بفائدة لن ينقذ من فقر أو يخرج من ضائقة، لذلك شبه الله تعالى المرابين في الدنيا أخذا أو عطاء بالذي يتخبطه الشيطان من المس، سواء كان التخبط حقيقة أو مجازا، جنونا أو صرعا أو اختلاجا عصبيا فقال: {لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} وما قيامهم بمال الربا إلا وَهْم وضلال، في الدنيا يمحق بركة النفس والأهل والولد، وفي الآخرة حساب عسير، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن تخبطهم يكون عند خروجهم من القبر لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إياكم والذنوب التى لا تغفر، الغلولَ فمن غل شيئًا يأتى به يوم القيامة، وأكلَ الربا فمن أكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يتخبط) ، إلا أن الحديث فيه الحسين بن عبد الأول وهو ضعيف كما قال الهيتمي.

إن السبب فيما لُبِّس عليهم به هو زعمهم أن الربا والبيع سواء {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} جعلوا الأصل المباح في المعاملة هو الربا وقاسوا عليه البيع، وهو قياس مقلوب، والأمر ليس كذلك، بل الأصل هو البيع، ومقدار الربح في البيع ثابت معروف لا يتغير بتأجيل دفع أو تقديم، وله أحكامه الواضحة، لا استغلال فيها ولا ابتزاز ولا استغفال ولا غرر، وهو بذلك حلال، بخلاف الربا المحرم الذي بني أساسا على شر النوايا والمقاصد وشر آليات الأداء أخذا وعطاء، {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} . والناس في تلقي هذه التوجيهات الإلهية بين موقفين:

موقف الذي يتعظ ويكف عن التعامل الربوي عندما يبلغه الزجر عنه والتحريم {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ} فليس عليه ان يرد منافع الربويات السابقة {فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، وأمر العفو عنه أو معاقبته إلى الله تعالى يوم القيامة {وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ} .

وموقف المُصِرِّ على استحلال الربا، العائد إليها بعد النهي عنها، مصيره الخلود في جهنم لكفره بإنكار معلوم من الدين بالضرورة {وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .

ويؤخذ من هذه الآية الكريمة قاعدة فقهية عظيمة هي أن الله تعالى لا يؤاخذ الإنسان بما مضى من أفعاله قبل نزول التشريع، مما أوضحته آيات أخرى في غير هذا السياق كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} التوبة 115، وقوله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت