الطريق للتثبت والاسترشاد والوعي والتفقه. قال القرطبي:"سورة البقرة مدنية، نزلت في مُدَد شتّى. وقيل: هي أوّل سورة نزلت بالمدينة، إلا قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} البقرة 281، فإنه آخر آية نزلت من السماء، ونزلت يوم النَّحْر في حِجّة الوَدَاع بِمِنًى؛ وآيات الربا أيضًا من أواخر ما نزل من القرآن".
إن سورة البقرة لأهميتها وشموليتها ونورانية توجيهاتها، كانت محط إشادة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم إذ قال فيما رواه مسلم: (اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) ، وقال: (أُعْطِيتُ سُورَةَ البَقَرَةِ مِنَ الذِّكْرِ الأَوَّلِ، وَأُعْطِيتُ طهَ والطَّوَاسِينَ مِنْ أَلْوَاحِ مُوسَى، وَأُعْطِيتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ) وقال: (لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ فِيهَا آيَةٌ هِيَ سَيِّدَةُ آي القُرْآنِ، هي آيَةُ الكُرْسِيِّ) ، وفي البخاريِّ أنه صلى الله عليه وسلّم قال: (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ) ، وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلّم أنه قال: (البَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لاَ يَدْخُلُهُ الشيْطَانُ) . وروى أحمد والطبراني أنه قال: (البَقَرَةُ سَنَامُ القُرْآنِ وَذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمانُونَ مَلَكًا، واسْتُخْرِجَتْ {الله لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} مِنْ تَحْتِ العَرْشِ، فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، وَ"يس"قَلْبُ القُرْآنِ لا يَقْرَؤُها أَحَدٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الآخِرَةَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ فاقْرَؤُوهَا عَلى مَوْتَاكُمْ) .
كما كانت هذه السورة المباركة مرجعا لاختياره - صلى الله عليه وسلم- قادة الجهاد، ومقياسا له في الشدائد استنصارا بذوي الحمية الإيمانية عند قتال أعدائه المحاربين، ويوم حنين عندما رأى في أصحابه تأخرًا أمر من ينادي"يا أصحاب سورة البقرة".
وكما أن لكل مشروع ذي بال برنامجا يضع التصور ويفصل المراحل ويرسم المعالم ويهيئ أدوات البناء والتشييد، كذلك كانت سورة البقرة، إذ فصلت الأحكام وضربت الأمثال وأقامت الحجج وأوضحت الطريق ومهدت السبيل، مبتدأ ومنتهى، ولم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه.
إن هذه السورة المباركة تمثل كيانا نورانيا حيا متكاملا يشد بعضه بعضا، تصورا إيمانيا وتحركا على جميع الصعد ميدانيا، غايته إقامة أمر الإسلام في النفوس والمجتمع، وإرشاد أمة العقيدة إلى منهج بناء صرحها الاستخلافي الذي بعثت له، ولذلك كانت محاور القرآن الكريم عامة ومحاور سورة البقرة خاصة تدور حول مركز الثقل الرئيس في النشاط الدعوي، وهو تأسيسُ الجماعة المؤمنة الأولى تمهيدا لإقامة دولة الإسلام الرائدة الراشدة عقيدة وشريعة، ووَضْعُ منهجٍ لاكتساح الساحة وحمايةِ البناء.