فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 523

إن التصور الإيماني في هذه السورة ألوهية وربوبية وقيومية، شديد الوضوح لا يشوبه غموض أو يعتم عليه لبس أو يكتنفه غبش، إذ لا ريب في الكتاب الذي جاء به، وشرح غيبه وشهوده، وبين فيه مبدأ الخلق ومعاده، ورسالة الإنسان في الأرض ومآله، من يوم خلقه الله في الملأ الأعلى وواثقه بعهد العبادة والطاعة، وأنزله إلى الأرض مستخلفا لعمارتها عبادة و استصلاحا.

ورد التصور الإيماني في مقدمتها رابطا لها بخاتمة الفاتحة إذ يسأل العبد ربه الهداية إلى الصراط المستقيم صراط أهل الرضا والسعادة، فيأتيه الجواب والاستجابة بقوله تعالى {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} البقرة 1/ 2، وغير خفي أن الإيمان بالغيب على النهج القرآني هو ركيزة التصور الإيماني وقاعدته، ما حل بالقلب إلا غشيته الرحمة وأشرق بالنور وتسامى في عالم الأرواح الطيبة يتنسم أريج الملكوت الأعلى، في أحضان اللطف الإلهي، بين عُبَّاد السموات والأرض ملائكة وأنبياء وصديقين وشهداء. وفي ثنايا نفس السورة تتهادى سيدة آي القرآن جليلة رفيعة العماد ثابتة الأوتاد نيرة الأركان لينة المهاد، تملأ قلب المؤمن بنور الأنوار، فيشرف بها على مكامن الأسرار وحكمة الأقدار، {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} البقرة 255، وفي نهايتها تقبل الخواتم محفوفة بملكين كريمين جبريل عليه السلام ورفيق له من الملأ الأعلى لم ينزل قط قبلها إلى الأرض {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} البقرة 285. فتمتلئ الجوانح رحابة وطمأنينة وتزهو الروح أمنا وسكينة، وينشرح القلب ثقة بالرب الكريم العظيم الرحمن الرحيم، ويلهج اللسان إيمانا واحتسابا واستسلاما {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} البقرة 285/ 286.

ولئن كانت تكاليف الإيمان ثقيلة، وفي أشد الحاجة إلى العون والتثبيت عليها، كما قال تعالى في سورة المزمل 5/ 9: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} فقد كان لسورة البقرة اليد الطولى في مجال البناء النفسي للمؤمن وتقويته وشد أزره تذكيرا بالمعية الإلهية عونا واستجابة دعوة {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة 186، وتنبيها لطرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت