الخطاب القرآني في مجمله موجه للأمة الإسلامية عن طريق نبيها صلى الله عليه وسلم، تصورا إيمانيا للألوهية والربوبية، وعالمي الملكوت والجبروت، والمبدأ والمعاد، ونداء ربانيا للبشرية أمرا ونهيا وضرب مثل، ودعوة للاعتبار بما خلق الله في السماوات والأرض، وإرشادا إلى أسلوب مقارعة الكفار مشركين وأهل كتاب، كشفا لخفاياهم ونواياهم ومكرهم وخداعهم، وهو إذ يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أو {يَا بَنِي آَدَمَ} ، فإنما الخطاب للناس كافة، عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما يقول مدحا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فإنما ذلك للمسلمين عن طريق نبيهم في حياته أولا ثم بعده مباشرة إلى يوم الدين ثانيا، وعندما يقول ذما {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا} أو {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} أو {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} فإنما المقصود تعليم المؤمنين كيف يخاطبون الكافرين أو أهل الكتاب أو بني إسرائيل إقامة للحجة وإنقاذا لمن كتب لهم الله الرشد والهداية من مستنقع الضلالة والخسران إلى رحابة الأمن والإيمان،.
ولئن كان القرآن حجة على من سمعه من عموم الخلق، فإنه نزل للمؤمنين به نورا وهدى وبشرى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} فصلت 44، {قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} النساء 174 {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف 157، كما أنه للمتمردين عليه نذارة من سوء العاقبة والخسران {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} الأنعام 124، {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التوبة 90.
ولئن كانت الفاتحة موجزة لمعالم الإسلام ربوبية وألوهية، ومبدأ ومعادا وما بينهما، فإن سورة البقرة جمعت هذه المعاني كلها وتوسعت في شرحها وبسطت ما يحتاجه المؤمن في جهاده الدعوي، وأسهبت فيما الإسهاب فيه ضروري، وأوجزت ما يفصل فيما تلاها من السور، وكانت بذلك مفصلا رئيسا في التنزيل عقيدة وشريعة وتفاعلا مع واقع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتعاملا رشيدا مع مختلف الملل والنحل والأديان التي عرفتها وتعرفها الساحة البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وكما كانت هذه السورة بمحتواها استهلالا لمرحلة تشريعية وحركية جديدة في حياة المسلمين، فإن بداية نزولها في المدينة كان كذلك عند مفصل هام وجديد من عمر الدعوة، إذ هاجر المسلمون بدينهم إلى المدينة، فرارا من شراسة مشركي قريش وحلفائهم، فتصدى لهم فيها أعداء جدد من المنافقين وأهل الكتاب. وكانت السورة بذلك خير زاد للمؤمنين تلقنهم تعاليم دينهم وتكشف لهم نوايا أعدائهم وأساليب جدلهم ومكرهم، وتعلمهم طرائق مخاطبتهم وأساليب معاملتهم وصيغ إقامة الحجة عليهم. كما كان استمرار نزول آياتها على مدار المرحلة المدنية خير زاد في