ومن ثم كان التنزيل منجما تثبيتا للرسول عليه الصلاة والسلام، وتربية للجيل القرآني الأول وتأسيسا للدعوة في النفوس والمجتمع، مبينا حكمة التنجيم ورادا على مُتَقَوِّلَةِ الكفار والمشركين في سورة الفرقان {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} الفرقان 32، ومرشدا في سورة العلق إلى قراءة ما أنزل الله تعالى من الآيات وتدبر ما خلق من الكون اعتبارا وإيمانا وتسليما {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} العلق 1/ 5، وفي سورة المدثر محذرا ومذكرا، وملوحا بالمغفرة لمن يعتبر {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَةً كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} المدّثر 52/ 56.
هكذا استمر البناء والتشييد والإعداد لجيل الدعوة الأول، حتى إذا تم الأمر كان الترتيب المصحفي موازيا للترتيب النزولي، وتبينت حكمة الترتيب النزولي توقيفيا من رب العزة على المستوى الإنشائي الأول للدعوة تدرجا ورفقا، وحكمة الترتيب المصحفي توقيفيا من رب العزة أيضا على مستوى بناء الأمة والدولة ترشيدا وتأسيسا وتشريعا وتسييرا عبر الأجيال المتلاحقة إلى يوم القيامة، وشهد بذلك على المسلمين رسولهم المبلغ الصادق الأمين فقال: (لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا إلاَّ هَالِك) .
سورة البقرة
منهج دعوة ونظام دولة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البَقَرَةُ سَنَامُ القُرْآنِ وَذُرْوَتُهُ، نَزَلَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ثَمانُونَ مَلَكًا، واسْتُخْرِجَتْ {الله لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} منْ تَحْتِ العَرْشِ، فَوُصِلَتْ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، وَ"يس"قَلْبُ القُرْآنِ لا يَقْرَؤُها أَحَدٌ يُرِيدُ الله وَالدَّارَ الآخِرَةَ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ فاقْرَؤُوهَا عَلى مَوْتَاكُمْ»."
رواه أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني وأسقط المبهم.