ذلك كان للأول مراجعتها إن آنس كل منهما القدرة على إقامة حدود الله وعدم الإضرار ببعضهما، وعلى إنشاء عقد زواج جديد يصلح ما فسد من علاقتهما.
وجمهور الفقهاء على أن المطلقة ثلاثا لا تحل لزوجها الأول إلا بخمسة شروط: تعتد منه، ويتزوجها الثاني زواجا صحيحا بوطء حقيقي، ثم يطلقها وتعتد منه، ثم تعود للأول بعقد وإشهاد وولي وصداق ورضا، وهو قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .
وهذه الحالة تقودنا إلى الحديث عن نوع من التحايل على الشرع بزواج المرأة المبتوتة] [1] [من آخر تتفق معه على الطلاق لتعود إلى زوجها الأول، مما اصطلح عليه بزواج المحلل وهو كفعل بني إسرائيل إذ تحايلوا على تحريم صيد السمك يوم سبتهم، فلعنوا بذلك ومسخوا قردة وخنازير، قال الإمام علي رضي الله عنه: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له) ، وقال ابن عبد البر:] [2] ["رُوِيَ عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلّم أنهُ لَعَنَ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأبِي هُرَيْرَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ: (ألا أدُلُّكُمْ عَلى التيْسِ المُسْتَعَارِ؟ هُوَ المُحَلِّلُ) ".
وهذا الزواج باطل لا تحل به المرأة للأول ولا للثاني، لأنه متى شرط الطلاق على المحلل بطل العقد بخروجه عن دائرة الشرع، فإن كان بدون دخول لم يعتبر زواجا، وإن كان بدخول فهو محرم لأنه زواج متعة، والنكاح عقد حرمة مؤبدة لا عقد متعة مؤقتة، وقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم: (نهى عن المتعة وقال: ألا إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه) ، وقال عمر:"لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما".
ثم بين رب العزة حكم حالين من حالي تصرف الزوج في عدة زوجته، فقال في الحال الأول وهو أن تكون المرأة في عدتها وتقارب نهايتها قبل أن تبين: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي أشرفن على نهاية العدة، والبلوغ في هذه الآية بمقتضى السياق بلوغ مقاربة، لأنك تقول لغة: بلغت المدينة إذا قاربتها وبلغتها إذا دخلتها، وقد نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، يقصد بذلك مضارتها، في هذه الحالة قال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي فأنتم بين خيارين ثالثهما إثم وعدوان:
أن تراجعوهن بالمعروف قبل انتهاء العدة فتحسنوا عشرتهن وتكرموهن وتؤدوا حقوقهن بما يحقق مقاصد الدين في إعادة بناء الأسرة، وإقامة الحياة الزوجية السوية.
(1) - من البَتّ وهو الانقطاع، والمبتوتة المطلقة طلاقا بائنا.
(2) - الاستذكار: 5/ 444