الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات"."
كما روى البخاري: (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ] [1] [، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ] [2] [؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن المختلعة تعتد بحيضة واحدة، بناء على أن الخلع فسخ، ولكن هذا لا يتحقق به القصد الشرعي من حفظ الأنساب والذرية في حال مفارقة الزوج زوجته، وقد ثبت من بعض الحالات الزوجية في عصرنا هذا أن المرأة قد تكون حاملا وينتابها الحيض المرة والمرتين، وقد تكون حاملا وتغشاها الاستحاضة طويلا فيختلط الأمر عليها، وهذا يؤيد ما ورد من أن الخلع طلاق عدته ثلاثة قروء، وفي حالات الاشتباه ينبغي الرجوع إلى نساء الطب المتخصص، تلافيا لأي نزاع أو اختلاط أنساب.
إن المرء وهو يمتثل للشرع ويطيع تعاليمه لم يزل في رياض الدين وساحات الرضا والتقوى، إلا أن لهذه الرياض والساحات حدودا يجب عدم الاعتداء عليها أو تجاوزها، والحياة الزوجية في ظل الشريعة لها أيضا حدود محرم اقتحامها وهدمها، ولا يجرؤ على ذلك إلا من ظلم نفسه، ولذلك عقب تعالى على ما سبق من تشريعات بناء المجتمع الإسلامي الجديد وتحريم الزواج من المشركين والمشركات، وأحكام الطلاق والخلع بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
ثم انتقل الوحي إلى التشريع لحالة الطلاق الثالث الذي تحرم به الرجعة وهو البائن بينونة كبرى] [3] [فقال تعالى: َ {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، أي عند إيقاع الطلقة الثالثة يحرم عليه أن يرجعها في العدة أو يتزوجها بعد انقضائها، ولا تحل له إلا بعد زواج صحيح من غيره يدخل بها دخولا حقيقيا ثم يطلقها، لما صح من رواية عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول؟ فقال: (لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها) . فإن طلقها الثاني بعد
(1) - تخاف إن بقيت زوجة له أن تواقع ما يؤدي بها إلى الإثم وكفر العشير.
(2) - الحديقة: بستان كان قد أصدقه إياها.
(3) - ميز الشرع بين حالين من أحوال الطلاق: طلاق رجعي انقضت العدة فيه فهو البينونة الصغرى، وطلاق ثلاث لا رجعة فيه هو البينونة الكبرى.