فهرس الكتاب

الصفحة 430 من 523

صداقا وغيره، إلا أن تطيب به نفسها لغير خلع {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} النساء 4، لأن العلاقة الزوجية في حالي الوفاق والفراق مبنية على الْمُكارمة لا على الْمُشاحَّة، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء قال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} النساء 21، ويكفي المرأة التي تظلم زوجها بهذا المطلب وزرا قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، ولكن هذا الطلب من الزوجة قد تنشأ عنه عداوة وبغضاء واستثارة للزوج فيتورط في مضارة زوجته ومحاولة ردها عما تطلبه من الفراق، بسوء معاملتها أو بابتزازها بأكثر مما أنفقه في الزواج بها، لذلك ميز الشارع بين حالتين للمخالعة:

عن ضرر ثابت لا يحتمل يوقعه بها الزوج، لسوء طبعه أو لابتزازها، فعليه في هذه الحالة أن يرفع الضرر أو يطلق بإرادته أو بحكم القضاء، وليس له أن يسترجع مما آتاها شيئا، قال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء 19، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في شرح الآية قوله:"ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آيتموهن، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدي نفسها منه بأن تترك له ما لها عليه من مهر أو مال"، قال مالك والأوزاعي:"لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيا".

أو عن نشوز ظالم تطلب الزوجة به الطلاق لغير ضرر، والخلع في هذه الحالة حرام وطلب الزوج الفدية أيضا حرام، وللزوج شرعا أن يمتنع عن الطلاق، إلا أن امتناعه قد يكون سببا في ظلم أكبر هو أن يتعدى أحدهما أو كلاهما حدود الله التي شرعها للحياة الزوجية، لذلك وضع الشرع حلا لهذا الإشكال بأن جعل بيد الزوجة حق الخلع وأباح لها فداء نفسها بتعويض الزوج عن خسارته المادية، في مقابل ما جعل بيد الزوج من حق الطلاق، وأباح له مخالعتها واسترجاع ما أنفق، قال تعالى: {إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي إن خافا أن يكون استمرار الحياة الزوجية بينهما سببا في معصية الله تعالى فلا إثم في أن تعوض للزوج ما أنفقه، ولا إثم في قبول الزوج هذا العوض.

وفي كلا الحالين إن خالعت زوجها للضرر أو بالفداء تعتد بثلاثة أقراء إن كانت من ذوات الحيض، قال ابن كثير:"ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد وإسحاق في رواية عنهما، وهي المشهورة؛ إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وجُلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت