فهرس الكتاب

الصفحة 429 من 523

وفي حديث البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) ، وقال: (وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ) ، والطلاق مرتين أو ثلاث مرات دفعة واحدة لم يكن عليه أمر ما بلغنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتركنا عليه، وهو بذلك محدث في الدين مردود، لا يصح ولا ينعقد، ويكفي دليلا على ذلك اضطراب الفقهاء بين ما شرعته السنة الثابتة وبين ما روي عن عمر، وترددهم في الحكم عليه بين الحظر والكراهة، ولم يقل أحد إنه مباح، بل حتى لو تردد بين الحظر والإباحة فالحظر أولى، وما تم بالمحظور والمحرم لا ينعقد، كما هي قواعد الاستنباط الأصولي، وقد أُمِرْنا بأن ندع المشتبه بين الحلال والحرام، فكيف بالمشتبه بين الحظر والكراهة، والحال أنه حرام قطعا لا اشتباه فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَدَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك) .

أما إقرار استعجال الناس بإيقاعه ثنتين أو ثلاثا في مرة واحدة فليس عقابا للزوج، بقدر ما هو استعجال لهدم الأسرة بمسايرة رغبات الأزواج أو نزواتهم، وإهدار لحق الزوجة وأبنائها في مهلة عدتي الطلاقين واحتمال تعقل الزوجين وعودتهما إلى رعاية بعضهما وذريتهما بالمعروف، وهو علة هذا التشريع وحكمته كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} الطلاق 1، وواضح من فقه هذه الآية الكريمة أن لكل طلقة إحصاء لعدتها ومدتها، وأن الزوجة لا تخرج من بيتها لاحتمال الندم وهدأة النفوس من الغضب، فيحدث الله بذلك إصلاحا وجمع شمل، وليس لهذا التشريع أن يخالف إلا في حال الوقوع في الفاحشة المبينة التي لا يرجى معها إصلاح. ولئن حاول عمر رضي الله عنه علاج ظاهرة طلاق الثلاث دفعة واحدة فقد يكون ذلك لأمر عارض قدره بقدره، مثلما توقف عن قطع السارق عام الرمادة، ويبقى ذلك في أقل تقدير علاجا وقتيا لحالة وقتية لا ينبغي تعميمه، أما العلاج الناجع فإعادة الأزواج إلى السنة النبوية التي هي في نفس الوقت تأديب لهم ومعاملة لهم بنقيض قصدهم، وإثقال لكاهلهم بمتعة كل طلقة ونفقة كل عدة إن تمادوا في الظلم والتلاعب بحدود الله تعالى، وحفاظ في نفس الوقت على حقوق الزوجة والأبناء. أما فعل عمر رضي الله عنه ومن وافقه فمهما بلغت منزلتهم في قلوبنا ومحبتنا لهم لا يجوز أن نترك السنة التي بلغتنا صحيحة لقول أحد منهم. والإجماع بدون مستند من كتاب أو سنة لا يقوم دليلا على مخالفة نص صريح ثابت.

ثم انتقل التشريع إلى حالة فرعية من حالات حل عقدة النكاح برغبة من الزوجة للشقاق المستحكم بينها وبين زوجها، أو لنفورها منه وكراهيتها له، مما يتعذر به استمرار الحياة الزوجية، فتحاول مخالعة زوجها على عوض، وهذا هو الخلع في المصطلح الشرعي، لذلك تدخل الوحي لفض هذا الإشكال وبيان أصل الحكم في هذه الحالة بقول الله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} أي يحرم على الزوج استرجاع شيء مما أنفق على زوجته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت