فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 523

أنس بن مالك قال: (قالَ رجلٌ للنبيِّ إنِّي أسمعُ الله يقولُ {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فأينَ الثالثةُ، قالَ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} هِيَ الثالثةُ) ] [1] [.

وقد دل قوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} على أن الطلاق الشرعي على السنة النبوية ينبغي أن يكون مفرقا مرة بعد مرة، لما رواه أحمد ومسلم من حديث طاوس عن ابن عباس أنه قال: (كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) ،

والجمهور على أن الطلاق ثلاثا دفعة واحدة يقع تبعا لما وافق عليه الصحابة عمر، إلا أن حكم التفريق فيه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين في عهد أبي بكر وسنتين من عهد عمر، وهو ليس رخصة استعجلها الناس فجاز الاستغناء عنها، ولكنه سنة وعزيمة ينبغي ألا تخالف، وما فرقه الله ورسوله لا يجمعه أحد مهما بلغت منزلته، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم والشوكاني وغيرهم من المتأخرين، لاسيما وليس للمسلمين إلا مبلغ عن الله واحد هو رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز اتباع سنة غيره، قال الشوكاني في نيل الأوطار عن رأي الصحابي:"والحق أنه ليس بحجة، فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبيا محمدا صلى الله عليه وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كلامه وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلهم مكلَّفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة. فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله تعالى بغير كتاب الله وسنة نبيه وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم وتقوُّل بالغ، فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو قولهم حجة على المسلمين، يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا مقررا تعم به البلوى، مما لا يُدانُ الله عز وجل به ولا يحل لمسلم الركون إليه ولا العمل به. فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده، لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ. ولا شك أن مقام الصحابة مقام عظيم ولكن ذلك في الفضيلة وارتفاع المنزلة وعظم الشأن .. ، ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة قوله وإلزام الناس باتباعه، فإن ذلك مما لم يأذن به الله، ولا ثبت عنه فيه حرف واحد] [2] [" .

(1) - وعلق البيهقي على الحديث بقوله: كَذَا قالَ عن أَنَسٍ رضي الله عنه، والصوابُ عن إسمعيلَ بنِ سُمَيْعٍ عن أبي رَزِينٍ عن النبيِّ مرسلًا، كذلكَ رواهُ جماعةٌ من الثقاتِ عن إسمعيل.

(2) - إرشاد الفحول للشوكاني ص 243

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت