لتهجره اليوم حتى الليل، فراعني ذلك وقلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن، ثم جمعتُ عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: قد خِبْتِ وخسرتِ"."
وبعد أن بين الوحي الكريم كيفية إيقاع الطلاق والعدة وحقوق الزوجين في حالتي الوفاق والفراق، شرع في ضبط عملية الطلاق بما يحد من ضرره على الطرفين وعلى الأسرة والمجتمع، وقد كان البعض يطلقون زوجاتهم حتى إذا أشرفت عدتهن على الانقضاء ردوهن ثم طلقوهن، لعدد غير محدود ويخالعونهن إضرارا بهن واستضعافا لهن، فقال صلى الله عليه وسلم استنكارا لهذه العنجهية: (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله تعالى ويستهزؤون بآياته: خلعتك راجعتك طلقتك راجعتك) ، وروي عنه أيضا عليه السلام أنه قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) ] [1] [وقال: (إنه ليس شئ من الحلال أبغض إلى الله من الطلاق) ] [2] [، ونزل قوله تعالى تنظيما لهذه العلاقة وكفا لاستغلالها بالظلم والاستبداد: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، وهو نظير قوله تعالى في الآية الثانية من سورة الطلاق التي زادت حكم الإشهاد بقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ} دفعا لأي تناكر أو تجاحد بين طرفي العلاقة.
وقد روى الإمام مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: (كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك وإن طلقها ألفَ مرة، فعمَد رجلٌ إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، ثم قال والله لا آويك ولا تحلين أبدًا، فأنزل الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذٍ من كان طلق منهم أو لم يطلق) . والمقصود بالطلاق في هذه الآية الطلاق الرجعي، وللرجل في مرتيه الإثنتين أن يرجع زوجته قبل انقضاء العدة، فإن انقضت العدة احتاج لعقد جديد بإشهاد وولي وصداق وموافقة من المرأة، فإن أرجعها في الثانية لم يعد له من التصرف الشرعي إلا أن يمسكها بالمعروف ويحسن عشرتها ويقوم بحقها، أو أن يطلقها الثالثة بإحسان، فلا يجرح ولا يشهر ولا يفجر، وأن يؤدي ما لها من حقوق عليه بدون مماطلة أو إضرار، وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن إسماعيل بن سميع الحنفي عن
(1) - أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وابن عدي، والطبرانى، والبيهقى عن ابن عمر، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبى وقال: على شرط مسلم. وضعفه الألباني.
(2) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن ابن عمر موصولا.