بالحيض أو بالأطهار أو بالشهور أو بمدة الحمل بقوله عز وجل عقب ذلك: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا} .
والبعل وهو الذكر من الزوجين، جمع بُعُولة وبعال وبعول، جعل له الله تعالى بقوله: {وَبُعُوولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا} حقا في استرداد زوجته أثناء العدة من طلاق رجعي، إن قصد بذلك الإصلاح ورعاية المودة والرحمة وصيانة الحياة الزوجية، فإن تأكد أنه يريد مجرد الإضرار ورفضت الزوجة العودة إليه كان للقضاء الحكم الفصل في الأمر. فإن انقضت عدة المطلقة فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية عنه يطالها حكم الحجاب وعدم الخلوة، واستوى الزوج السابق مع غيره في جواز العقد عليها، فلا تحل له إلا بخطبة ونكاح جديد مستأنف بولي وإشهاد وصداق وليس على صفة المراجعة.
ثم بين عز وجل مبادئ قيام الحياة الزوجية على الإصلاح في حالتي ابتداء إنشائها أو استعادتها بقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال عليهن من الواجبات، والمماثلة في هذه الآية مماثلة في الوجوب لا في جنس الواجب، وفي تمليك الحق لا في جنسه، في الواجبات كتحريم اختلاط الزوج لغير ضرورة بالنساء غير المتحجبات، أو بفساق الرجال وزنادقتهم وأولي الشُّبَهِ فيهم، وتحريم اختلاط الزوجة بالأجانب من الرجال لغير ضرورة شرعية وبدون حجاب، أو اختلاطها بالفاسقات ذوات الشُّبَهِ من النساء، وغير ذلك من الحقوق والواجبات التي جعلتها الشريعة نظاما للأسرة السوية الكريمة. أما قوله تعالى عقب ذلك: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} فيقصد بالدرجة أنها درجة تكليف قيادي للأسرة من أجل القيام بمهام تناسب طبيعة الرجل، أناطها تعالى به وخلقه لها وابتلاه بها وأعفى منها المرأة في قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} النساء 34، وجعل له بها على زوجته حق الطاعة بالمعروف ما لم يأمر بمعصية، فقال عز وجل: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} النساء 34، وحرم عليه بطاعتها له مفارقتها أو التخلي عنها، وليست درجة تكريم وتشريف لأن لهذه المنزلة مقياسا آخر هو قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} الحجرات 13، وهو مقياس قد تكون به امرأة تقية أشرف وأكرم عند الله والناس من زوجها ومن ألف رجل.
بهذه الآية التي ختمت بقوله تعالى: {والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} استرجعت المرأة حقوقها ومساواتها التي تناسب طبيعتها وخرجت من ظلمات القهر الجاهلي إلى عدالة الشرع وحكمته، برعاية الرب العزيز الغالب لمن عصاه، الحكيم في أمره وشرعه، الناصر للمستضعف المظلوم من عباده. قال ابن عباس: (كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا فلما جاء الإسلام، وذكَرَهُن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا ً) ، وروى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال:"كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم فطفِق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار، فصخبتُ علَى امرأتي فراجعتْني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولِمَ تنكرُ أَن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه وإن إحداهن"