وقد ورد قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} بصيغة الخبر الذي يراد به الأمر أي (ليتربصن) ، للتأكيد والإشعار بأن التربص مما يجب المسارعة إلى قبوله وتنفيذه، ثم حدد مدته بثلاثة قروء، والقُرْء لغةً من فعل"قرأ"، وقَرَأْتُ الشيء قُرْآنا: جَمعْتُه وضَمَمْتُ بعضه إلى بعض، وقَرَأْتُ الكتاب قِراءةً وقُرْآنًا، ومنه سُمي القُرآن لأنه يجمع السُّور فيضُمّها، وقيل: سُمي به لأنه جُمِع فيه القصص والأمر والنَّهيُ والوعد والوعيد، ومنه القَرْءُ بمعنى الطريقة والمثال، والجَمْعُ: أقْرَاءُ. كما في حديث إسلام أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال أُنَيْس رضي الله عنه أخوه، وكان شاعرًا:"والله لقد وَضَعْتُ قوله على أقْراءِ الشِّعر فلا يلتئمُ على لسان أحدٍ". ومن معنى الضم فيه والجمع قيل: ما قَرَأَتْ هذه الناقة جَنِينًا قط: أي لم تَضُمَّ رحِمَها على ولدٍ، كما أطلق القرء أيضا لوقت تجمع الدم في الرحم، ولوقت الطهر الواقع بين دمين وقابلية الرحم أثناءه لضم النطفة والإنجاب، والمرأة قَرَأت وأَقرأَتْ قُرءًا بضم القاف وفتحها، إذا حاضت وإذا طهرت، وقد وردت به النصوص في مواضع للحيض وفي مواضع للطهر، أما للطهر فقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر عندما طلق امرأته وهي حائض: (يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء) أي لكل طهر، قال ابن عمر:"فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فراجعتها"، وأما بمعنى الحيض فقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: (دَعِى الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ ثُمَّ اغْتَسِلِى وَصَلِّى) أي أيام حيضك. قال ابن قتيبة في غريب الحديث:"اختلف الناس في الأقراء فقال قوم هي الحيض لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة تقعد أيام أقرائها) يريد أيام الحيض وذهب آخرون إلى أنها الأطهار، والفريقان جميعا مصيبان على طريق اللغة لأن القرء هو الوقت، وكل شئ أتاك لوقت معلوم فقد أتاك لقُرْئه وقارئه، والحيض يأتي لوقت فهو قرء والطهر يأتي لوقت فهو قرء".
ولكون لفظ"القرء"مشتركا بين الحيض والطهر، والاشتراك في اللفظ من أسباب الاختلاف عند استنباط الأحكام، فقد اختلف الفقهاء في تعيين المراد منه في الآية الكريمة، فذهب مالك والشافعي إلى أنه الطهر لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار) ، وبقوله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي في وقت عدتهن، ووقت عدتهن هو الطهر، لأن الطلاق في وقت الحيض محظور] [1] [، وبإثبات حرف التاء في العدد ثَلاَثَةَ
(1) - لما أخرجه النسائي عن ابن عمر، طلق امرأته وهي حائض فذكر عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مُرْهُ فليراجعها حتى تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها فإنه الطلاق الذي أمر الله عز وجل به قال تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} .