أما قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ ... الآية} بضم التاء، فهو نهي عن أن يزوج المسلمون بناتهم من المشركين، وتأكيد آخر بأن أي رجل مؤمن ولو كان عبدًا - أي أسيرا من أسرى المسلمين في الجهاد - إذا أسلم خير من المشرك ولو أعجبهم ماله أو منصبه أو مكانته في قومه، أو كان في مصاهرته مصلحة ما.
ثم بين عز وجل علة التحريم بقوله: {أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} لأن معاشرة الكافر والكافرة ومصاهرة الكفار تدعو إلى الكفر وتمهد له وتساعد عليه، وتبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وهي بذلك طريق إلى النار {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} ، وزواج المسلمة من المسلم كما يدعو إلى ذلك الشرع الحكيم طريق الجنة والمغفرة والفوز في الآخرة، {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي يبين الله تعالى بهذا التشريع دلائل لطفه بالمسلمين ويعرفهم ما ينفعهم في نظام الأسرة وتنشئة الذرية المسلمة {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي لعلهم يتعظون فلا ينسون، ويختارون لأنفسهم ولذرياتهم أهل الإسلام نساء ورجالا، قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} النور 32، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) ، وقال: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك) ،
وقد شغب على هذا المعنى بعض أهل النفاق والارتزاق بأن عدوا أهل الكتاب مؤمنين يجوز النكاح منهم وإليهم، ذكورا وإناثا، ونفوا عنهم صفتي الشرك والكفر، وما حملهم على مذهبهم هذا إلا غلبة معسكر النصرانية واليهودية على أمر المسلمين في هذا العصر الرديء، والحرص على التقرب من أهله ومداهنتهم، والكتاب والسنة صريحان في كفر اليهود والنصارى وشركهم.
ذلك أن الشرك إذا كان يقتضي عبادة ما سوى الله أو معه، فإن الكفر في العقيدة الإسلامية هو تكذيب ما جاء عنه عز وجل بواسطة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم سواء كان هذا التكذيب جحودا للأسماء والصفات أو الربوبية والألوهية أو إنكارا للنبوة وما نقل عنها صحيحا، أو رفضا للشريعة وتعاليمها، وهو بذلك متضمن للشرك الذي هو صورة من صور الكفر، ويدخل فيه بهذه المعاني كلها اليهودي والنصراني والمشرك واللاديني، وقد حرم الله تعالى زواج المسلمة من الكافر بقوله: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن} الممتحنة 10، وجعل الأصل في زواج المسلم من الكافرة التحريم بقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} الممتحنة 10.
كما أن صريح الكتاب والسنة قد حسم في أمر شرك أهل الكتاب يهودا ونصارى وكفرهم، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ