وهو ما بينته سورة الممتحنة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} الممتحنة 10.
لا شك أن الحياة الزوجية عبادة، ولكنها أيضا لحفظ النوع وتربية الأجيال والتعايش السليم الآمن المطمئن، تفاهم بين الزوج وزوجته وتناسب ووحدة شعور وتطابق أهداف وقيم ومبادئ، وحري بما بني من أول يوم على تنافر الدين والعقيدة والقيم أن ينهدم ويتهاوى، لذلك عندما اشترط تعالى في الطرفين الإيمان والإسلام، زاد فأكد ذلك بتحريم زواج المسلم من المشركة، والمسلمة من المشرك، فقال: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} .
والفعل"نكح"من النون والكاف والحاء أصل واحد يعني الضم والاختلاط وتداخل أجزاء الشيء بعضها في بعض، من تناكح الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، ونكح المطر الأرض إذا اختلط في ثراها، ونكح الدواء المريض إذا خامره وغلبه، وأطلق مجازا على عقد الزواج، لأنه سبب في المعاشرة الزوجية المشروعة، يقال:"امرأة ناكح في بني فلان"أي ذات زوج منهم، وأنكحه في بني فلان أي زوجه منهم. يؤيد ذلك أنه لم يرد في القرآن إلا بمعنى العقد.
أما الشرك المقصود في هذه الآية الكريمة، فهو كل دين يعبد فيه مع الله تعالى أو من دونه صنم أو شجر أو حجر أو هوى أو مخلوق أيا كان، مهما انتحل لتبرير ذلك من أسباب أو شروح أو تأويل، ويشمل بهذا المعنى البوذية والمجوسية واليهودية والنصرانية والإلحادية والعلمانية والشيوعية، وعبادة الكواكب والنجوم والملائكة والأنبياء والرسل.
وقوله تعالى في هذه الآية: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} بفتح التاء أي لا تتزوجوا الكافرات ما لم يسلمن. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في أمة سوداء تدعى خنساء، كانت لحذيفة بن اليمان، فقال حذيفة لما نزلت: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها. وقيل أيضا أن أبا مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال: نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، ثم مضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فأنزل الله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ، وبَيَّنّ أن أي أمة - أي أسيرة من أسرى المسلمين في الجهاد - إن أسلمت خير للمسلم من المشركة مهما أعجبه مالها أو جمالها أو شرف قومها فقال: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} .