فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 523

مستشرية، نزل الوحي يحض على العدل في الأيتام، والإحسان إليهم، ورعايتهم وإصلاح أحوالهم وأموالهم، وتطهير مكاسب أوليائهم وأوصيائهم من السحت، بما يحفظ أمن المجتمع وروابط المحبة والتكافل والتعاون بين أعضائه حاضرا ومستقبلا، بدأ أولا بصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وقد نشأ يتيما فخاطبه بقوله تعالى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} الضحى 9، ثم تدرج في تربية المجتمع الجديد خطوة أخرى فبين أن الإساءة إلى الأيتام فعل من يكذب بالدين {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} 1/ 2 الماعون، {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الفجر 17، حتى إذا انتبهت العقول الغافلة ووعت القلوب الحية، وضع مبضع الجراح على الداء يستأصله، تنديدا بعادة جاهلية هي عنوان الظلم والاستبداد والاستئثار، من أجل إعادة الحقوق إلى أهلها، وتطهير المؤمنين الجدد من مكاسب وأطعمة مستلبة من ضعاف مستضعفين بين أيديهم، وأنزل الله قوله نصحا وإرشادا: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} لإسراء 34، ثم قوله توعدا وتهديدا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} النساء 10، ثم أمرا حازما صارما بإعادة أموالهم إليهم: {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} النساء 2،

فلما نزلت هذه الآيات الكريمة استشعر المؤمنون خطورة احتضان الأيتام ومسؤولية رعايتهم وبلغ بهم الحذر والخوف من ظلمهم حدا جعل بعضهم يعزلون طعام الأيتام عن طعامهم، وبلغ بهم الحرج أن تساءلوا فيما بينهم أو سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عما يحفظ للأيتام حقوقهم ويرفع الحرج عنهم، فنزل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} ، قال ابن عباس:"لما نزلت {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتيمِ إلاَّ بالَّتِي هِيَ أحْسَنُ} و {وإنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْما إنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا} انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنزل الله عز وجل: {وَيَسألُونَكَ عَنِ الَيتامَى قُلْ إصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخالِطُوهُمْ فإخْوانُكُمْ} فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم".

لقد كان الجواب الرباني في هذه القضية أشد وضوحا وإيجازا وحفاظا على وحدة المسلمين وأمنهم الاجتماعي: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ، ذلك أن الأصل في تصرفات المؤمن هو الإصلاح وتجنب الفساد والإفساد، والأصل في علاقة المؤمن بجميع المؤمنين كبارا وصغارا هو أخوة الإيمان ورابطة العقيدة، وحق الأيتام على وليهم أو وصيهم، أن يصلح لهم أموالهم ومعاشهم، من غير جفاء أو عزل أو إساءة أو مبالغة في الاحتياط والحذر, لأنهم إخوانهم في الدين أولا، وأخوة الدين تقتضي المخالطة بأعلى درجات الإحسان والنصح، ولأن القيام بأمرهم ثانيا لا يتعارض مع مخالطتهم ومشاركتهم في الحياة اليومية والنشاط الاجتماعي والتجاري إذا توفر الورع ومراقبة الله تعالى في الخفي والظاهر من النوايا والأعمال، ولأن الله عز وجل قبل ذلك كله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت