يعلم أهل الصلاح وأهل الفساد ولا تخفى منهم خافية {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} لأموالهم {مِنَ الْمُصْلِحِ} لأحوالهم وأموالهم، {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ} أن يشق عليكم ليبتليكم ويختبركم {لأعْنَتَكُمْ} أعنتكم: من فعل: عَنِتَ العظمُ عَنَتًا فهو عَنِتٌ إذا وَهَى وانكسر، وعَنِتَ الرجل: دخلته مشقة، وأعنته غيره إذا شق عليه، وقد يوضع العنت موضع الهلاك، فيكون معنى الآية:"لو شاء الله لشق عليكم وتَعَبَّدكم بما يَصْعُبُ عليكم من الأحكام، أو لأهلككم عدلا منه بتشريع فيه هلاككم، كما فعل ببني إسرائيل في قوله عز وجل: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} البقرة 54"
بهذه الآيات الكريمة أصبح حقا لليتيم وواجبا على وليه أو وصيه أن يصلح له في أمر نفسه وماله بما يضمن له نشأة سوية ومعاشا كريما.
أما الإصلاح في المال فيقتضي تنميته وتطويره تحت ضوابط الشريعة، متاجرة أو مضاربة أو مساقاة أو مزارعة أو غير ذلك من أوجه الاستثمار المشروع، بما يحفظ أصول مال اليتيم، ويدخرها ليوم رشده واستحقاقه تسلمها واستثمارها بنفسه.
أما إصلاح أمر اليتيم في نفسه فيقتضي تربيته وتعليمه وتوفير حاجاته بالمعروف مطعما وملبسا وعلاجا وإعفافا بالزواج، ذكرا كان اليتيم أو أنثى، حتى إذا بلغ رشده غير سفيه ولا عاجز استلم ماله من وليه وأخلى ذمته بمعروف وإشهاد، توثيقا لعرى الأخوة والمحبة بين الطرفين واستدامة لها وشكرا لأهل الفضل من الأولياء والأوصياء الأمناء الأتقياء. قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} النساء 6.
كما يقتضي حفظ حقوق اليتيم على الغير، قصاصا ودية ودينا ومهرا لليتيمة تستحقه على من يتزوجها، ومعاملة حسنة بالقسط والعدل في جميع الأحوال، ولذلك أبرز تعالى حالة من حالات استضعاف الأيتام وأكل أموالهم، بذكر اليتيمة ذات المال يرغب وليها في مالها فيتزوجها بغير ما تستحق من مهر، ويعاملها بعد الزواج بغير ما تستحق من حسن المعاملة، استضعافا لها واستفرادا بالسيطرة عليها، فقال عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة} النساء 3، أي إذا كانت تحت ولاية أحدكم يتيمة وخاف إن تزوجها ألا يعدل في صداقها أو حسن معاملتها فله أن يتزوج غيرها، ويزوجها لمن يعطيها صداق المثل ويحسن عشرتها بالمعروف، وقد روى البخاري عن عروة أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ... } فقالت: (يَا ابْنَ أُخْتِي هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ صَدَاقَهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ