فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 523

والسياق العام في تقرير عقوبة الخمر والمؤثرات العقلية بعامة كما وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار، يشير إلى أن الغاية من ذلك معالجة آفتي الخمر والمخدرات ومساعدة المبتلين بهما على التوبة وإعانتهم على التخلص منهما، وليس التشفي والانتقام منهم أو النكاية فيهم، وهذا يفتح المجال لوضع ما هو كفيل بتطهير المجتمع منهما ومعالجة المدمنين عليهما إذا لم ينجع الحد ولم تكْفِ العقوبة، ومنع تداولهما وتصنيعهما واستيرادهما والترويج لهما. وهو ما تفطنت له حاليا دول غير مسلمة فأخذت تعمل له، وما تهاونت فيه دول المسلمين في عصرنا هذا لضرورات اقتصادية وهمية، فأصبحت بلادهم مرتعا لعصابات تجارة الخمور والمخدرات في العالم، ومجالا واسعا لاستنبات الأمراض النفسية والعقلية وجرائم الأعراض والأرحام.

وإذا كان من الورع أن يسأل أغنياء المسلمين عن مقادير ما ينفقون في سبيل الله غير الزكاة المفروضة، فإن من البدهي أن يتساءل من كف عن الميسر وتجارة الخمر عن صنف ما ينفق وعن قدره، لذلك نزل الجواب قولا من الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} ، وقد اختلف في معنى لفظ"العفو"، فقال بعضهم: العفو أفضل المال وأطيبه، وقال آخرون: العفو هو فضل المال، وقيل: الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافا ولا إقتارا، والصدقة عن ظهر غنى، واليسير من كل شيء،، والصدقة المفروضة التي هي الزكاة. إلا أن ورود الآية عقب تحريم المكاسب الخبيثة المذكورة يجعل تفسير العفو بالطيب من المال قليلا أو كثيرا أقوى وأرجح، لأنه جواب للفئتين من السائلين، فئة الذين كفوا عن الكسب المحرم، وعزموا على تحري الحلال في مكاسبهم ونفقاتهم، وفئة أهل الورع من المتصدقين في سبيل الله على غيرهم، نفقاتهم من الحلال كلها في ميزان الله تعالى صدقة وقربى وعبادة، قال صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِك) ، وقال فيما رواه مسلم: (عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ} ، قَالَ:(يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي) ، قَالَ: (وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟) . وقال فيما رواه البخاري: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) . وقال فيما أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل) ، لذلك عقب عز وجل على إنفاق العفو بقوله: {كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ، أي يبين لكم الصواب والحق في مكاسب الحياة الدنيا ونفقاتها، لتفكروا في مآل مكاسبكم ونفقاتكم في الآخرة ثوابا أو عقابا.

لم تقتصر مكاسب أهل الجاهلية على القمار وتجارة الخمر فقط، ولكنها امتدت إلى أموال الأيتام تحت رعاية الأوصياء والأولياء، الذين كانوا يتاجرون بها وينتفعون منها وربما يستأثرون بها، فلما جاء الإسلام ووجد هذه الظاهرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت