أما ما اختلف فيه مما سمي نبيذا، وما ذهب إليه الحنفية في إباحته، فقد دخل الحكمَ فيه تلبيسٌ وخلط، ذلك أن النبيذ المعروف والمباح هو النقيع أو النَّقوع بالفتح، ما يُنْقَعُ في الماء من الليل لِدواءٍ أَو نَبِيذٍ ويُشْرَبُ نهارًا وبالعكس، كما ورد في قواميس اللغة، أي أن تنبذ الفاكهة وتنقع في الماء فترة قصيرة ما بين صبح ومساء حتى إذا استسيغ الماء بها حلوا قبل أن تختمر شرب، وهو ما يفعله عامة الناس إلى يومنا هذا بعصر الفواكه وتبريدها، أو بنقع المجفف منها في الماء، ثم يشرب العصير أو تؤكل الفاكهة المنقوعة ويشرب ماؤها، وقد روى النسائي عن عبد الله بن الديلمي عن أبيه فيروز قال: (قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ كَرْمٍ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَمَاذَا نَصْنَعُ قَالَ: تَتَّخِذُونَهُ زَبِيبًا قُلْتُ: فَنَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ مَاذَا؟ قَالَ: تُنْقِعُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَتُنْقِعُونَهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَتَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِكُمْ) ، أما إذا ترك النقوع حتى تخمر فهو حرام، لأنه صار مسكرا بكثيره ولو كان قليله لا يسكر، كما هو حال"الجعة"التي شاع إثم تناولها بدعوى خلوها من الكحول، والثابت علميا أن فيها نسبة قليلة من الكحول يسكر كثيرها، بالإضافة إلى أنها طريق ممهدة وذريعة إلى تناول الخمر الصريح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كل شراب أسكر فهو حرام) وقال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) .
كما يدخل في حكم الخمر تناول المخدرات وهي حرام أيضا لأنها تذهب العقل، سواء كانت بدائية من نباتات مصنعة وغير مصنعة أو من مواد كيماوية أخرى، ويجمعها مع الخمر إسكارها وخطورتها على الفرد والمجتمع، لذلك لها وللخمر قياسا عليه حد واحد في الشريعة، ما لم يتحول حال صاحبها إلى الإدمان الذي لا ينفع معه عقاب، فيكون العلاج الطبي المباشر أول إجراء لمقاومة هذه الآفة.
أما حد الخمر فقد ثبت بإجماع الصحابة من عهد عمر أنه ثمانون جلدة، بعد أن كان على عهد أبي بكر أربعين، قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: أتي النبي صلى عليه وسلم بشارب فقال: (اضربوه) فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب ثم قال: (نكبوه) فنكبوه ثم أرسله، قال: فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك الضرب فقوَّمَه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياتَه ثم عمر، ثم تتابع الناس في الخمر فاستشار عمر فضرب ثمانين. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار فقال علي: نرى أن يجلد ثمانين لأنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى، فجلد عمر ثمانين في الخمر.
وعن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فقال: (اضربوه) فمنا الضارب بيده والضارب بثوبه والضارب بنعله ثم قال: (بكتوه) فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت الله ما خشيت الله وما استحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القوم: أخزاك الله، قال: (لا تقولوا هكذا, لا تعينوا عليه الشيطان ولكن قولوا: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) .