فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 523

الحق ما ينبغي القيام به، من هجرة للفساد وأهله وجهاد في سبيل الله وصبر على لأواء المحن والفتن، وما يؤدي إليه ذلك من رجاء رحمته تعالى وعظيم ثوابه وكرم إحسانه.

ومن عجيب الإشارات الإلهية لذوي القلوب الحية أن الله تعالى ما ذكر الهجرة في سبيله إلا وربطها بالجهاد، ففي الآية 72 من سورة الأنفال قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} .

وفي الآية 74 من نفس السورة قال عز وجل: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .

وفي الآية 20 من سورة التوبة قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} .

وفي الآية 110 من سورة النحل قال جل جلاله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .

قد يتساءل غافل، لماذا قرن الله تعالى في هذه الآيات الكريمة بين الهجرة والجهاد، مع أن الهجرة فرار من العدو، والجهاد هجوم عليه؟، لكن الشبهة تزول إذا ما اتضحت العلاقة الجدلية بين مفهوم الهجرة الإسلامية التي هي مجرد بحث يقوم به المؤمن عن قاعدة إعداد واستعداد للجهاد، بعيدا عن أعين الظالمين وأيديهم وسلطتهم، وبين الجهاد الذي هو ثمرة هذا الإعداد ونتيجته. والمهاجر في هذا الأمر بين أن يركن إلى مصالحه الشخصية والدنيوية في أرض الهجرة، فيحق عليه حكم التولى والفرار في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الأنفال 16، وبين أن يواصل الإعداد فيكون في حكم من تحيز إلى فئة مجاهدة. وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هاجر إلى المدينة وجعلها قاعدة لتحرير البشرية بعامة، وتحرير مكة المكرمة بخاصة. وهو نفس ما يسره الله تعالى لموسى عليه السلام، عندما هاجر من مصر فساقه عز وجل إلى شيخ مدين يتم تربيته ويعده لما ينتظره، فلما اكتمل الإعداد أُمِرَ بالعودة إلى قومه لدعوتهم، وإلى طاغية بلده يقيم عليه الحجة.

ولئن كانت هجرة الجيل الأول من المسلمين إلى المدينة قد انقطعت بفتح مكة، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) ، فإن أسبابها ودواعيها بعد العصر النبوي قد تحصل وتتكرر، فلا يستطيع المؤمن القيام بواجباته الدينية عبادة ودعوة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وإقامة لأمر الله في الأرض، لذلك أبقى الله تعالى على تشريع الهجرة وحرض عليها من يضطر لها ويجبر عليها وتوعد من يظلم نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت