بتركها فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} النساء 97.
إلا أن للهجرة في سبيل الله عوائق لا تتغلب عليها إلا النفوس القوية الواثقة بربها المستعلية بإيمانها، من هذه العوائق الخوف على الأهل والولد والعرض والمال، والخوف من الجوع والذلة والمهانة والموت في أرض الهجرة بعيدا عن الوطن، وقد أوجز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العوائق بما أوتي من جوامع الكلم فقال: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرُقِه، ِ فقعد له بطريق الإسلام فقال: تُسْلِم وتَذَرُ دينك ودين آبائك ودين آباء أبيك؟، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتَدَعُ أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَلِ] [1] [، فعصاه فهاجر، ثم قعد له في طريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتُقتَل فتُنْكَح المرأة ويُقْسَم المال؟، فعصاه فجاهد) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن فعل ذلك كان حقا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قُتِل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وَقَصَتْهُ] [2] [دابتُه كان حقا على الله أن يدخله الجنة) . لذلك تكفل الله تعالى بأمر المهاجر في سبيله، وأنزل من الآيات ما هو كفيل بطمأنته وتثبيته والربط على قلبه، فقال عز وجل: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} النساء 100، وقال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} النحل 41.
لقد سار الوحي عند الإعداد لتشريع القتال في سبيل الله على السنن التي ألفناها منه دائما، تدرجا بالمؤمنين من السهل إلى الميسر إلى الصعب فالأصعب، أمر بالإيمان الخالص الخالي من شُبَهِ الشرك أصغر وأكبر، ثم حرض على الهجرة إذا تعذر القيام بأمر الدين، وبالجهاد فرضا عينيا على كل مسلم مقيم أو مهاجر، ومن أعرض عن الإيمان فهو عن الهجرة والجهاد أشد إعراضا، ومن تمسك بالأهل والولد والمال والدعة وزينة الدنيا فهو أبعد الناس عن نقلة إلى إيمان حق، أو استنفار جاد أو جهاد في سبيل الله.
(1) - الطِّوَلُ والطِّيَلُ بالكسر هو الحبل الطويل يُشَدُّ أَحد طَرَفيه في وَتِدٍ أَو غيره والآخر في يد الفرس ليَدُور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه، يقال أَرْخ للفَرَس من طِوَلِه.
(2) - أي أسقطته دابته فاندقت مقاتله ومات، من قولهم تَوَقَّصَ الفرسُ عدا عَدْوًا شديدا. ويقاس على هذه الحالة ما إذا مات المهاجر والمجاهد بحادثة سير أو غيره، أو قتل غيلة بأي طريقة من الطرق التي تفنن فيها أعداء الإسلام في العصر الحديث.