فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 523

إلا أن هذه الأمة الإسلامية عصية بإذن الله تعالى عن الإذلال والخضوع، عقيدتها الربانية عصية عن التحريف، وقرآنها الكريم محفوظ دائما {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر 9، والدين يتجدد باستمرار كما قال صلى الله عليه وسلم: (يرث هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين) ، وقال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، والمسلمون سد منيع وترس صلب في مواجهة العدو كما في الصحيحين واللفظ لمسلم: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) .

أما المرتدون عن الإسلام وهم قلة في كل عصر، عرفهم المجتمع النبوي والعصور بعده، فَهُمْ بين أحد أمرين:

أولهما أن يصروا على الكفر ويموتوا عليه، فتبطل كل عباداتهم التي سبقت الردة، ويسلبوا في الدنيا آثار كلمة الشهادتين، من حرمة الأنفس والأموال والأعراض، ومن الصلاة عليهم بعد الموت، والدفن في مقابر المسلمين، كما تطلق عليهم الزوجة المسلمة ويحرم عليهم التوارث مع المسلمين، إلى غير ذلك من أحكام الردة وآثارها مما يرجع إليه في كتب الفقه، أما في الآخرة فشأنهم شأن كل كافر خلودا في النار، لذلك قال تعالى عقب تحذيره من مكر أعداء الإسلام وكيدهم وإصرارهم على فتنة المؤمنين: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ،

وثانيهما أن يتوبوا فيقبل الله توبتهم، وهؤلاء اختلف العلماء في أمر أعمالهم قبل الردة، هل تبطل أم لا تبطل، عند مالك وأبي حنيفة أن من ارتد من المسلمين ثم عاد إلى الإسلام وتاب لم يرجع إليه ثواب أعماله التي عملها قبل الارتداد، فإن كان حج قبل أن يرتد ثم عاد للإسلام مثلا كان عليه أن يحج مرة أخرى لأن حجه الأول حبط وفسد، وقال الشافعي: إذا عاد المرتد إلى الإسلام عادت إليه أعماله كلها. والرأي عندي أن أعماله قبل الردة إن عاد إلى الإسلام وحسنت توبته بيد الله تعالى إن شاء أحبطها وأبطل ثوابها عدلا، وإن شاء أثبتها له كرما ورحمة وإحسانا، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الفرقان 70.

لقد بين عز وجل في هذه الآيات الكريمة معالم طريق الإيمان المفضي إلى الجنة، صبرا ومصابرة على البأساء والضراء، وقتالا واجبا في سبيل الله تعالى، وحذر من فتن تكشف الضمائر وتجلو حقيقة النفوس، وتوعد المرتدين بما ينتظرهم من خلود في النار يوم الدين. وحيث إنه لا يكاد يرد في الأسلوب القرآني وعيد إلا ويعقبه وعد، فقد بين عقب ذلك من هم أهل للجنة، وبشر من أطاع أمره وجاهد في سبيله بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . وبنى على قاعدة الإيمان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت