فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 523

بهذه الآية الكريمة تأكدت حرمة البيت الحرام والأشهر الحرم كما كانت من قبل على التأبيد، إلا لدفع ظلم أعظم وضرر أكبر يهدد العقيدة وأهلها، وأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم تأكيد ذلك في خطبة الوداع بقوله: (إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حَرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) .

أما قوله تعالى عقب ذلك: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} ، فالفتنة بمعناها العام الابتلاء والامتحان والاختبار من الله تعالى بالخير والشر والغنى والفقر والعافية والسقم، والمال والأهل والولد والجار والصاحب بالجنب، من فعل"فتن"الفضة والذهب وغيرهما من المعادن، إِذا أَذابها بالنار لتصفيتها وتمييز الرديء من الجيِّد فيها، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} الذاريات 13.

وفسر السلف الفتنةَ بالشرك، الذي يدعو له صاحبه ويقاتل عليه ويعاقب من يأباه، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} البقرة 193، وقوله: {ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ} الأنعام 23، ومنها قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ لَمْ يَتُوبُوا} البروج 10، أي عذبوهم وأحرقوهم بالنار ليكرهوهم على الكفر.

وهي بسياقها في هذه الآية زيادة بيان للمسلمين كيلا يكرهوا القتال أو يعرضوا عنه، وتحذير لهم من مخاطر ما قد يتعرضون له، إن ركنوا إلى الدعة والراحة، من مصادرة لأموالهم وأوطانهم وتسلط عليهم وعلى ذريتهم من قبل أعدائهم، يفتنونهم في دينهم ويستدرجونهم للكفر والردة، ولَصَبْرٌ على القتال في سبيل الله ينتهي بالشهادة والخلود في الجنة، خيرٌ وأكرم من استضعاف يعقبه ذل وكفر في الدنيا ثم خلود في النار.

وتأكيدا لهذا التحذير وتوضيحا للمدى الزماني والمكاني لهجوم الكفار على العقيدة الإسلامية ومحاولتهم تكفير أهلها، أضاف عز وجل قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} ، والتعبير بقوله {وَلاَ يَزَالُونَ} مفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين لا تنقطع، وأنهم لن يكفوا عن محاربة الإسلام وأهله، وأن المعركة بينهم وبين المسلمين مستمرة إلى قيام الساعة، والآية بهذا المعنى من باب الإخبار بالغيب، الذي آثر به الله تعالى هذه الأمة، تأهيلا وتوعية وإقامة حجة، تصدقه أحداث التاريخ من زمن البعثة النبوية إلى عصرنا الحالي، حروبا صليبية استمرت دهرا، وحروبا وثنية مغولية أحرقت الأخضر واليابس، واستعمارا أروبيا صليبيا للعالم الإسلامي من أقصى شرقه إلى أقصى غربه طيلة ثلاثة قرون، الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وحروبا صليبية أخرى متجددة، نعيشها حاليا في العراق والسودان وفلسطين وأفغانستان، وأرتالا من المنصرين انبثوا في مجتمعات المسلمين شرقا وغربا، لاستغلال فاقتهم وفقرهم واستضعاف حكامهم لهم، من أجل استدراجهم إلى الردة والكفر. قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم} البقرة 120، وقال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} النساء 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت