وتبيان، لاسيما وقد أباحه الله تعالى فيما سبق بقوله: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} البقرة 191، وجعل من شرط الإباحة أن يبادئهم المشركون به، وأن يكون قصاصا عادلا مساويا للعدوان بقوله عز وجل: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} البقرة 194، فبادر بعض المسلمين إلى سؤال نبيهم صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} أي: يسألك أصحابك يا محمد عن الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، هل يحل لهم القتال فيها وقد فرض عليهم؟. وقد ورد سببا لنزول هذه الآية ما رواه الواحدي عن الزهري مرسلًا، ورواه الطبري عن عروة بن الزبير مرسلًا ومطوَّلًا، وخلاصته أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش، ومعه نفر من المهاجرين، فقتلوا عمرَو بن الحضرمي في آخر يوم من جمادى الثانية أو أول يوم من رجب، وأسروا رجلين، واستاقوا العير، فوقف على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لم آمركم بالقتال في الشهر الحرام، فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} إلى {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} . إلا أن الإرسال في سند هذه الرواية وعدم تناسب مضمون الآية مع سرية عبد الله بن جحش وقد وقعت في السنة الثانية للهجرة قبل غزوة بدر، وقبل فرض القتال، وقبل الحديبية التي صُدَّ فيها المسلمون عن البيت الحرام سنة ست من الهجرة، كل ذلك يرجح أن الآية تكملة لما سبق من أحكام القتال في الشهر الحرام بقوله تعالى {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} البقرة 194 عقب الحديبية، وبعد أن صد المشركون المسلمين عن أداء عمرتهم، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشروعية القتال في الشهر الحرام فنزل الجواب وحيا بقوله تعالى للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} .
ولئن تأكد بهذه الآية تحريم القتال في الشهر الحرام، وعُدَّ وزرا كبيرا، بورودها كلاما تاما من مبتدأ وخبر، فقد وقع الاستدراك عليها بتوضيح جانب آخر أعظم إثما من ذلك، هو ما ارتكبه المشركون في حق الحرمات عامة، عقيدة وأمكنة وبشرا، فقال تعالى: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ} أي: منع الناس عن الإيمان بالله واتباع دينه، بتعذيبهم وقتلهم ومطاردتهم كما فعلوا بآل ياسر وبلال وخبيب رضي الله عنهم، {وَكُفْرٌ بِهِ} أي: إعراضهم عن الإسلام وإقبالهم على عبادة غير الله تعالى أوثانا وأحجارا ونجوما وكواكب، {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والمسجد الحرام: معطوف على سبيل الله، أي وصدُّ المسلمين عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم يوم الحديبية من دخوله لأداء العمرة، {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} وإخراج المؤمنين من الحرم وهم أهله وأولياؤه، بقسرهم على الهجرة إلى الحبشة ثم إلى المدينة، كل ذلك بل بعضه {أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ} أعظم وزرا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والقضية في مجملها مجرد دفع لضرر أعظم بضرر أخف وأقل وأدنى. لقد قتل المشركون بعض المسلمين في حرم الله بأبشع صورة، بل حاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم غيلة في مكة قبيل الهجرة، وهذا أكبر عند الله من أن يقاتلهم المؤمنون في الشهر الحرام.