أُومَرْ بِذَلِكَ)، ثم بعد الهجرة أذن له بقتال من يقاتله في قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 3، ثم فرض الله الجهاد على المسلمين كافة بهذه الآية الكريمة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} . وقال صلى الله عليه وسلم: (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) ، وقال: (الخَيْلُ مَعْقُود في نَوَاصِيها الخيرُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) ، وقال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) ، وقال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فكان الجهاد بذلك ماضيا إلى يوم القيامة، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
وظاهر الآية يقتضي أن الجهاد فرض عين على كل مكلف مستطيع، وليس فرض كفاية، لأن قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} يعني أنه واجب على كل واحد من المسلمين من أول هذه الأمة إلى آخرها، من وجد في عصر النبوة ومن يأتي بعدهم، بل حتى من نفر منهم للتفقه في الدين بقوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة 122، مخاطبون بأمر الجهاد لأن نفرتهم للتفقه غايتها العمل له والتحريض عليه وإعطاء القدوة من أنفسهم فيه. والسنة النبوية تؤكد ذلك وتبينه، وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق) ، ولا عبرة بالتصنيفات الفقهية الخاضعة لإكراهات السياسية أو ظروف الاستضعاف، كتقييدهم فريضة الجهاد بضرورة استئثار أهل الشوكة والسلطة في كل بلد بتقرير أمره وزمن وجوبه، أو بتمييزهم بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، لأن الجهاد جهاد واحد في معناه وممارسته، واجب على كل فرد غزا أو قعد، إن استغيث أغاث، وإن اعتدي على الأمة نفر، وإن بلغه نداء"ياخيل الله اركبي"ركب وأركب، لأن النداء أمر الخالق، وأمره عز وجل لا يعارض بأمر غيره، وقد قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الأنفال 39.
كما أن تطور المجتمع البشري حاليا قد تجاوز هذا المستوى من التفكير والاختلاف، لأن جميع مرافق الدولة العصرية أصبح لها نصيب في مجهودها الحربي، مرافق الصناعة والاقتصاد والسياسة والثقافة والنظم الاجتماعية كلها تصب في المجهود الحربي للأمة، وأصبح كل فرد فيها مساهما في الدفاع عن وطنه، أو في حروب عدوان بلاده وتوسعها الاستعماري، ولم يشذ عن هذا التطور الخطير إلا الدول الإسلامية المعاصرة، وقد ركنت حكوماتها إلى دفء حماية العدو، وذل التمسح بأعتابه، وتلهى علماء سلطتها بالجدل العقيم حول معنى الجهاد مدافعة أو طلبا، مبادأة أو مجازاة أو رد عدوان، ووجوبه عينا أو كفاية، ومضمونه أكبر أو أصغر.
ولئن تبين للمسلمين في العصر النبوي بهذه الآية الكريمة وجوب القتال في سبيل الله، فإن هذا الفرض نزل مطلقا، لم يُخَصَّ بزمان دون زمان، وكان من عادة العرب أن الشهر الحرام لا يستباح فيه القتال، فبقي في نفوسهم شيء من أمر الحكمة في هذا التشريع الجديد والإذن به في الأشهر الحرم، وبقيت علته غامضة في الأذهان محتاجة إلى توضيح