إشارة واضحة إلى أن النفقة في سبيل الله لا يعتد بها إلا إذا استوفت شرطين أولهما أن تكون خيرا، أي حلالا، لأن الله تعالى لا يقبل إلا طيبا {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} البقرة 267، والثاني أن تكون في أهلها ومستحقيها، وهم على الترتيب القرآني الوالدان أولا، ثم الأقربون، الأقرب فالأقرب، ثم اليتامى والمساكين ثم ابن السبيل، وتعني هذه الآية مطلق النفقة مما سوى الزكاة، سواء الواجبة على الوالدين والذرية، أو الأقربين من ذوي الحاجة،، أو المندوبة على الأرحام واليتامى والمساكين وابن السبيل. وهي عنوان الاستعداد للبذل والتكافل وتقوية الصف على مدافعة العدو ورده، وتحصين الجبهة الداخلية فلا تؤتى الأمة من ثغرات الفقر والحاجة والخصاص، كما هو حال المسلمين اليوم إذ يستغل المنصرون والمهودون فقر بعضهم فيشترون ذممهم ويسخرونهم ضد أمتهم وعقيدتهم.
ثم انتقل إلى مستكْرَهٍ آخر للنفس مما امتحن به المسلمون بعد الإنفاق فقال عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} ، كتب عليكم القتال أي: فرض عليكم، والكره: بضم الكاف وفتحها، والكراهية والكراهة مصادر لفعل"كرِهَ الشيءَ"إذا أبغضه، ولا شك أن الطبع يؤثر الدعة والسلامة، ويكره التعرض للقتل والأسر ومفارقة الزوجة والولد، لكن ما كل ما تكرهه النفس شر وضرر، وما كل ما تحبه النفس خير وصلاح، بل إن من آفات الاختيار أن يبنى على الشهوة لا على المنفعة، أو منفعة الدنيا دون الآخرة، والقتال على ما فيه من مخاطر، تحفظ به البلاد والعباد، وتصان به الأعراض وتوفر به الكرامة، وتنال به الشهادة، لذلك عقب تعالى بقوله: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} ، لأن عواقب الأمور وإن تبين للعقلاء من القرائن بعضُها، لا يحيط بعلمها تامة كاملة إلا الله وحده {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .
إن كراهية القتال كانت لدى بعض المسلمين إيثارا للسلم والمسالمة، ولدى بعضهم إشفاقا من شدته وخسائره، ولكنها كانت لدى آخرين نفاقا وجبنا وفساد عقيدة وخبث طوية، كما في قوله تعالى عن المخلفين: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} الفتح 11، وغني عن البيان أن من المسلمين من كان القتل والقتال في سبيل الله أحب إليهم من الدنيا وما فيها، كما هو حال الصحابي الذي استعجل الشهادة وأقبل على العدو فيما رواه مالك في الموطأ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغَّبَ فِي الْجِهَادِ وَذَكَرَ الْجَنَّةَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ إِنِّي لَحَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا إِنْ جَلَسْتُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْهُنَّ فَرَمَى مَا فِي يَدِهِ فَحَمَلَ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ) ، وكما هو حال كرام الصحابة رضي الله عنهم جميعا، وفيهم من غسلته الملائكة كحنظلة، ومن اهتز له عرش الرحمن كسعد بن معاذ، ومن حمته الزنابير كعاصم بن ثابت بن الأفلح، ومن أجيزت شهادته بشهادة رجلين كخزيمة بن ثابت.
لقد كان القتال غير مأذون به للرسول صلى الله عليه وسلم مدة إقامته في مكة، وعندما قال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لَمْ