وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب، وإعداد الرجال، وحشد أدوات القوة والمنعة، بين أيدينا لا يصدنا عنها صاد، وذكريات أمجاد سلفنا الصالح عندما تشع في قلوبنا سياط تلسع ضمائرنا وشواظ نار يلهب وجداننا، فترتسم في أذهاننا صورتان متناقضتان، لواقع نصر وعز مضى واندثر، وواقع ذل وخزي واستضعاف في عصرنا وبلادنا وأهلنا قد استقر وانتشر، صورة لقيادات رشيدة وهبها ربها تعالى النصر وكلل هاماتها بتيجان العز والفخر، اتخذت من رسولها صلى الله عليه وسلم قدوة وقد خاطب رجلا من القوم هابه وخافه: (هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء) ، وحاول أحدهم أن يأخذ يده ليقبلها فجذب صلى الله عليه وسلم يده وقال له: (مه، إنما يفعل هذا الأعاجم بملوكها وإني لست بملك، وإنما أنا رجل منكم) ، وصورة أخرى لقيادات منهزمة معاصرة، نرجسية السلوك خنثوية الطباع، مرائية القول والفعل، دنيوية النوايا والأهداف، مترفة تستهلك طيباتها في حياتها الدنيا وتدعي خدمة الدين ومصالح المسلمين. وصورة ثالثة لجنود النصر والغلبة في جيوش باعت نفسها لله فأغلى ثمنها، وصدقته التجارة فصدقها النصر والبشارة، في مقابل صورة معاصرة لدعاة لم يردُّوا في حياتهم قط يَدَ لامسٍ من أصحاب النفوذ والمال، ولم يصدقوا الله قط كما يصدقون أصحاب السلطة من المخبرين وعمداء الشرطة والولاة والعمال.
لقد أصاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المحن يوم أحد ويوم الأحزاب، ما لا يطيقه إلا صناديد الرجال فصبروا وصمدوا وأبلوا البلاء الحسن، فخاطبهم رب العزة في أحد بقوله عز وجل: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 139/ 140، وخاطبهم يوم الخندق بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} الأحزاب 9/ 12. وفي كلا اليومين لقي المؤمنون ما لقوا، من شدة الجهد والخوف والأذى على ما كانوا فيه من ضيق العيش وقلة الناصر وحصار المشركين وأهل الكتاب وتخذيل المنافقين، كذلك الرسل وأتباعهم الصادقون في كل عصر يبتلون ويصبرون فتكون العاقبة الحسنى لهم في الدارين.
ولما كان الصبر مفتاح كل خير في مجال العقيدة والعمل لها، فقد عقب عز وجل بترتيب أنواع البلاء، صبرا على المكاره والشدائد، وصبرا على البذل والإنفاق، وصبرا على التضحية بالنفس على غلائها وتعلق الناس بها، ثم أجاب على سؤال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال كثير إذ قال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ بقوله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} في