أما قوله تعالى بعد ذلك {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ] [1] [الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ} فهو شرح وتوضيح لأحوال أمم الإسلام السابقة مع المحن والشدائد، أي: هل تظنون أن تدخلوا الجنة ولم يصبكم مثل ما أصاب المؤمنين أتباع الأنبياء والرسل قبلكم، ولم تمتحنوا كما امتحنوا فتصبروا كما صبروا، وقد اختبرهم الله تعالى بالبأساء والضراء فاقة وعللا وقتلا وخوفا وشدة وجهدا، حتى ضاقت بهم الأرض وحرجت فيهم الصدور واستبطؤوا ما وعدوا به من النصر، وزلزلت ثقتهم في أنفسهم فظنوا أنهم قد أحدثوا في دينهم ما أخره أو عطله، فتساءلوا مع رسولهم المبعوث إليهم عن موعده، وهو منهم قريب متى ثبتوا على الحق واستماتوا في الدفاع عنه {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} ، يأتيهم فيسبل عليهم رداء العز والسؤدد، تمكينا في الدنيا لبعضهم وشهادة في سبيل الله لآخرين.
لقد تساءل جنود الرحمن إذ ابتلوا واشتدت بهم المحنة عن نصر الله الموعود، وهم موقنون أنه من الله تعالى وحده، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} آل عمران 126، وأن له شروطا هي الطريق إليه:
أول هذه الشروط أن ننصره تعالى في أنفسنا عقيدة سليمة وعبادة صادقة وجهادا لا نبتغي به إلا وجهه الكريم، وإعدادا للنفس والمجتمع بما يكفل تغيير موازين القوى المادية والمعنوية لصالح الإسلام والمسلمين، وهو معنى قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} محمد 7، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد 11. لنستحق النصر لابد أن ننصر الله في أنفسنا عقيدة وأخلاقا وفدائية وصلابة وعدالة نظم وطهارة مجتمع، وقيادة رشيدة وجنودا أسوياء صادقين، ويأتي بعد ذلك نصر الله {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} .
كتاب الله ينطق بالحق وينادي بيننا: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه} التوبة 41، {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} النساء 95.
(1) - قراءة نافع بالرفع في"يقولُ"والجمهور على النصب فيها. وحجة نافع أن الفعل إذا كان حالا أو مؤولا بالحال رفع، والحال كما قال ابن قاسم المرادي في"الجنى الداني": نحو سألت عنك حتى لا أحتاجُ إلى سؤال، والمؤول بالحال قراءة نافع {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ} ، والمراد بالمؤول بالحال أن يكون الفعل قد وقع فيقدر اتصافه بالدخول فيه فيرفع لأنه حال بالنسبة إلى تلك الحال، وعلامة كونه حالا أو مؤولا به، صلاحية جعل الفاء في موضع"حتى".
وحجة الجمهور أن الفعل بعد"حتى"منصوب إما على الغاية وإما على التعليل، أي وزلزلوا إلى أن يقولَ الرسول، أو كي يقولَ الرسول، والفعل منصوب بأن مضمرة بعد"حتى".