الحرب وأدواتها وأهدافها، فلا يفل الحديد إلا الحديد، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} التوبة 36، أي قاتلوهم بكافة قوتكم وبمثل ما اعتُدِيَ به عليكم، مستعينين بالله تعالى وهو معكم ما اتقيتم، قال تعالى أيضا: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه} النحل 126، وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى 40، فإن لم تفعلوا هزمتم وذهبت ريحكم وأثِمْتُم عند ربكم.
هذا المبدأ العسكري العادل، مبدأ توازن الرعب أو المعاملة بالمثل، هو الذي تخلى عنه المسلمون في العصر الحديث، وقد هوجموا من قبل أمم الكفر كافة، وبأدوات للحرب متطورة لم تعرف من قبل، قذائف ذرية وصواريخ نووية وقنابل محرمة دوليا، وبأساليب عدوانية شرسة لا رحمة فيها، حربا استباقية لا مبرر لها من دين، وهجوما مبنيا على الظن والتوقع لا يقره عقل أو خلق أو مبدأ إنساني، فجَبُنَ حكام المسلمين عن حماية الحرمات، وجنحوا للسلم وقد جنح أعداؤهم للحرب، واكتفوا من إعداد القوة بما يكبل شعوبهم وجيوشهم عن التحرر والمدافعة ورد العدوان، وأعانَهم على الركون للذل والمهانة في أحضان آل صليب وصهيون فتاوى من مرتزقة علمائهم وبطانة السوء لديهم، تحرم امتلاك السلاح النووي وقد جرب في ظهورهم، وتجرم الحروب الاستباقية وقد انتهكت بها أعراضهم وحرمات نسائهم ورجالهم.
إلا أن هذا المبدأ الذي يُحْمَى به الذِّمار أهلا وحُرَمًا، وتصان به الحوزة أرضا وأوطانا، وتحصن به البلاد والعباد والأعراض، يتعارض تعارضا مطلقا مع كنز الأموال أو تبديدها في شهوات النفس ومتعها، وتوفير أدوات الرفاه والترف وأصنافها، كما عرفه ملوك المسلمين في عصور الذل والهزيمة سابقا، وكما يعرفه حكامهم في عصرنا هذا. إن الأموال بيدهم سلاح لهم أو عليهم وقد قال الله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} الإسراء 16، وقال صلى الله عليه وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم) .
ولئن صار المال عند غير المسلمين سلاحا لا يفل، إنفاقا رشيدا وأبحاثا علمية دقيقة، لتطوير وسائل القوة وتنويع أدوات التحكم والقمع والسيطرة والانتشار، فإنه عند المسلمين حاليا أداة للفسق والفجور والتخريب، أُلْبِسوا به شيعا فذاق بعضهم بأس بعض، واستجْلَبَ به بعضُهم الأعداءَ استقواءً على بعض، ولذلك اسْتُنْفِرَ المجتمع المسلم للبذل في سبيل الله وجهاد أعدائه، وردِّ كل عدوان عليه بما يكافئه، فقال تعالى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، والإنفاق في سبيل الله هو توفير كل ما يحتاجه الجهاد من أموال، أما التهلُكة فهي ترك الجهادِ وعدم تغطية نفقاته، لأن ذلك جزء لا يتجزأ من النفير العام، به تُعَد الأسلحة وفرة وتطويرا، والرجال تدريبا وتأهيلا، والجيوش سوقا وتعبئة، قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} التوبة 42،وقال: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} التوبة 39،