فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 523

فِيهَا فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)، فإن الله تعالى قد خصه بحكم يناسب حرمته، واشترط ألا يكون قتال المسلمين فيه مبادأة منهم لأعدائهم، وقال: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لا تبتدئوا المشركين بالقتال عند المسجد الحرام حتى يبدؤوكم به، فإن بدؤوكم به فاقتلوهم، إن قتلهم جزاء لكفرهم وعدوانهم واستطالتهم على المسلمين وصولتهم في الحرم، فإن رجعوا عن قتالكم وتابوا عن كفرهم غفر الله لهم وتاب عليهم وشملهم برحمته الواسعة، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} الأنفال 38.

إن الأمر بقتال المشركين ليس عدوانا أو ظلما، ولكنه دفع لفتن هي أصل الظلم والعدوان، فإن اعترض المشركون طريق دعوة الإسلام أو بلغت بهم الجراءة على حرم الله فبادؤوا فيه بالقتال، وجب قتالهم حتى تطفأ نار فتنتهم ويفسحوا المجال لنشر عقيدة التوحيد ورفع راية الدين، وتحقيق أهداف الإسلام بتحرير العباد من عبودية الأوثان والأنداد بشرا وحجرا وأهواء، فتكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} ، وليس لمسيرة هذا القتال الجهادي من نهاية إذا ما نشبت إلا باستئصال شأفة الشرك وتوبة أهله إلى الإيمان وكفهم عن مناوأة المسلمين {فَإِنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} أي: فإن آبوا إلى الحق وتركوا الكفر فقد نبذوا الظلم، وقتالهم حينئذ عدوان، والقتال ينبغي ألا يكون إلا في مواجهة الظالمين، وسماه العدوان مجازا للمشاكلة، كقوله تعالى {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى 40، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في سورة الأنفال 39: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

ثم انتقل الوحي إلى تقرير قاعدة جامعة لأحكام القتال هي قاعدة المعاملة بالمثل، القصاص العادل، فقال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، والأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، جعلها الله تعالى واحة أمن تصان فيها الدماء والأموال والأعراض، وقد منع المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول مكة معتمرا في شهر ذي القعدة سنة ست للهجرة، وأعدوا لقتاله، فجاز بذلك محاربتهم ورد عدوانهم في الشهر الحرام بقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} .

والحرمات جمع حرمة، وهي ما يجب المحافظة عليه، وما لايجوز انتهاكه من الدماء والأموال والأعراض والذرية وأرض الإسلام، جعل الله القصاص عقوبة الاعتداء عليها، والقصاص مساواة وعدل وحق واجب لقوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} .

ثم زاد عز وجل هذه القاعدة توضيحا وبيانا فقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ، أي أن كل عدوان على المسلمين يجب أن يرد بمثله، بما يكافئه ويتفوق عليه، مهما تغيرت الظروف وتطورت أساليب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت