الأخذ والغلبة، ومنه قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} الأنفال 57، وقال: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} الأحزاب 61.
{وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} وفعل الأمر في هذه الآية للوجوب، أي: أخرجوهم من المكان الذي أخرجوكم منه، والمكان الذي أُخْرِجَ منه الجيل الأول من المسلمين هو مكة، إذ أَنْزَلَ المشركون بهم من ضروب الأذى والظلم والعدوان ما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة أولا ثم إلى المدينة المنورة ثانيًا، أما ما أُخْرِجَ منه المسلمون على مدار ما مضى من الزمن بعد ذلك، فأراض كثيرة، آخرها في هذا العصر فلسطين وأفغانستان والعراق. وقد أُخْرِج المشركون من مكة المكرمة عام الفتح على يد المهاجرين والأنصار، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، حين امتثلوا لأمر ربهم، فصدقهم ربهم وعده وأنجز عهده {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} الفتح 27، وفرط مسلمو اليوم إذ أُخْرِجوا من ديارهم فأثموا وحاق بهم ما حذرهم منه الرسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة وتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أدخل الله تعالى عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم) .
إنه ليس للمسلمين وقد اختاروا معسكر الحق والإيمان في مواجهة معسكر الكفر والطغيان، إلا الدفاع عن دينهم أو تذهبَ ريحهم وتداسَ كرامتهم ويَحُلَّ بديارهم الذل والهوان، ولَقَتْلٌ في سبيل الله تُنال به الشهادة، وتُدرَك به الحياة الكريمة عند الله خيرٌ من فتنة الهزيمة والإخراج من الوطن والخنوع الذليل، لذلك قال تعالى عقب الأمر بالقتال والتحريض عليه: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} ، فقرر أن خوفَ الأمة من عدوها وجبنَها عن مواجهة الموت في ساحة الجهاد يؤدي إلى ما هو أشد من القتل، وليس أشد من القتل إلا الفتنة. فتنة الرجل في دينه إن أكره على الردة والخنوع لعدوه، وفتنته في زوجه وولده تحت سنابك خيل العدو وسياطه أو رعوناته وفجوره، وفتنته بمفارقة أهله ووطنه إذ يضطر للهجرة غريبا مضطهدا محقرا مستضعفا مستباحا في نفسه وعرضه، كل ذلك أو بعضه أشد من القتل لدى القلوب الحية والنفوس الأبية.
ولما كان للمسجد الحرام حرمته وقد حُرِّم فيه الظلم والقتال بقوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} الحج 25، وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} العنكبوت 67، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ