طبيعة من توجه إليهم الحراب، وهم المعتدون، بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي الذين يناصبونكم العداوة ويناجزونكم القتال، وقد ثبت من السنة النبوية أنهم المحاربون وحدهم، فلا يقتل الصبيان ولا الشيوخ ولا النساء ولا الرهبان ولا من ألقى إلى المسلمين السلم أو جنح له، قال تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} النساء 90، وقال: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} الأنفال 61، وأخرج البخاري عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النُّهْبَى والمُْثْلَة) ، وروى أحمد بسنده عن حنظلة قال: (غزونا مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم فمررنا على امرأة مقتولة وقد اجتمع عليها الناس، قال: فأفْرَجوا له، فقال: ما كانت هذه تقاتل، ثم قال لرجل: انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم يأمرك أن لا تقتل ذرية ولا عسيفًا) ، والعسفاء هم الأجراء والخدم وعمال الفلاحة الذين لا يحاربون، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: (وُجِدَتْ امرأة في بعض المغازي مقتولة فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان) ، وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا بسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثِّلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع) ، كما نهى أبو بكر رضي الله عنه عن قتل الرهبان أو استرقاقهم فقال: (فذرهم وما حبسوا أنفسهم له) ، وكان من وصيته ليزيدَ بن أبي سفيان قائد جيش الشام قوله: (وإني موصيك بعشر: لا تقتُلَنَّ امرأة ولا صبيا، ولا كبيرا هرِما، ولا تقطعنَّ شجرا مثمرا، ولا تُخَرِّبنَّ عامرا، ولا تَعْقِرَنَّ شاة ولا بعيرا إلا لِمَأْكَلَة، ولا تحرقنَّ نحلا ولا تُفَرِّقَنَّه، ولا تَغْلُلْ ولا تَجْبُنْ) ، وقال عمر رضي الله عنه: (اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب) ، ويلحق بهؤلاء المريض والمقعد والأعمى، ممن لا يحارب ولا يساعد على الحرب برأي أو خديعة.
ثم أجمل عز وجل ضوابط القتال هذه بأوجز عبارة وأوفاها فقال: {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} أي لا تظلموا لأن الله تعالى لا يحب من يتجرأ على العدوان، والعدوان هو الظلم، يقال: عدا عدوانًا أي ظلم وتجاوز الحد، وهو معنى قوله تعالى أيضا: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين} آل عمران 57. هكذا حرَّم عز وجل جميع أصناف العدوان في الحرب، ووضع حدا لكل الممارسات الشنيعة مُثْلة وإحراقا وتعذيبا واغتصابا واختطافا وسرقة أموال أو غير ذلك مما عرفته حروب الجاهلية البائدة أو حروب الجاهلية الحديثة السائدة، بل حرم ذلك في السلم أيضا وألزم بالعدل في حالتي الرضا والسخط، فقال: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة 8.
تحت هذه الضوابط الشرعية الأخلاقية الإنسانية للجهاد، أهدافا ومقاصد وممارسة، يتلقى المسلمون من ربهم أوامر قتال عدوهم بقوله جل جلاله:
{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} اقتلوهم في أيّ مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم، أو أدركتموهم وثقفتموهم، والثَّقْف هو الحذق في إدراك الشيء وفعله, يقال: ثَقِفْتَ الشيء: إذا أدركتَه ببصرك، أو ظفرتَ به ووجدته على جهة