رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ: وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)
إن الصراع بين الحق والباطل سنة الحياة وإكسيرها، منذ أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض وقيل له: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} فاطر 6، والأمة التي لا شوكة لها ولا قوة مصيرها الإذلال أو الزوال، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} البقرة 251، هذا قانون الحياة منذ خلق الله الإنسان، واستخلفه للعبادة والعمران، وليس من الحكمة أن تشذ الأمة الإسلامية عن نظام الاجتماع الذي وضع للناس، أو أن تستسلم لجبروت الكفر والطغيان فتضعف عن اكتساح الباطل قبل أن يكتسحها، وتتردد في محوه قبل أن يمحوها، أمة الحق والخيرية إن لم تُعِدَّ لعدوها وتستعد، ولم تأخذ بأسباب النصر والتمكين، ليس لها أن تنعم بالأمن والسلم والحرية والكرامة، وليس لها أن تقوم بالشهادة وأداء الأمانة، إن تبليغَها رسالةَ الإسلام دينٌ، ودفاعَها عما تُبَلِّغُه عبادةٌ، لذلك لا يذْكر القرآن أمر القتال أو الجهاد إلا مقرونا بكونه في سبيل الله، أي طريقا إلى طاعته ومرضاته ومقصد إنزاله العقيدة والشريعة، فلا يراد به مغنم أو استعلاء أو سمعة أو عقدة عدوان وتحكم، قال صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، وفي الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) .
لقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية الكريم، وأولوية نزولها، ذُكِرَ أنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة. وذُكِر أن أول آية نزلت في الجهاد قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} الحج 39، واستدل بها بعضهم على أن سورة الحج مدنية. ولا تعارض بين الآيتين ولا نسخ، لأن إحداهما إذن بالقتال والثانية أمر به، وذكر أنها خاصة بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا به من طرف أعدائهم بغيًا وعدوانًا، لما روي أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:"أنُهِيتَ عن قتالنا في الشهر الحرام؟"فقال:"نعم"، وأرادوا أن يفتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فيه، أو لِمَا أخرج الواحدي عن ابن عباس أنها نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدَّه المشركون عن البيت الحرام ثم صالحوه، فرضي على أن يرجع عامه القابل ويُخْلُوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش فتصدهم عن المسجد الحرام بالقوة، وكره أصحابه القتال في الحرم والشهر الحرام فأنزل الله تعالى الآيات.
وأيًّا ما كانت الأسباب والأولويات فإن هذه الآيات الكريمة قد افتتحت عهدا جديدا في مفهوم القتال وأهدافه وضوابطه، فصار في سبيل الله وحده لا شريك له، من أجل قيم عالية وأهداف شريفة هي كف الظلم والعدوان وإخراج الناس من ظلمات القهر والاستعلاء إلى رحابة الحرية والكرامة، وحماية أرض الإسلام وأهلها، كما تحددت